في تاريخ السينما، لم تكن النجومية مجرد مسألة موهبة فردية أو حضور جماهيري، بل كانت أحيانًا انعكاسًا لتحولات أعمق في المجتمع والسوق معًا. وفي لحظات تاريخية معينة، لم يعد يكفي أن تقوم امرأة ببطولة فيلم؛ بل أصبح حضورها بوصفها نجمة يمثل تجربة كاملة للجمهور عن الأنوثة. هنا يتحول الجندر من كونه عنصرًا داخل الحكاية إلى عنصر فاعل في معادلة شباك التذاكر، حيث يصبح حضور النجمة وعدًا للجمهور بتجربة محددة من الخيال، والرغبة، والسلطة الأنثوية.

في هذا السياق، لا تُقرأ نجومية بعض الممثلات بوصفها نجاحًا فنيًا فقط، بل تعد لحظة التقت فيها تحولات صورة المرأة في المجتمع مع منطق السوق السينمائي، لتصبح التجربة الأنثوية نفسها قوة قادرة على تحريك الإيرادات وصناعة القيمة التجارية للفيلم، تمامًا كما كان يحدث تقليديًا مع النجوم الرجال. وهنا تتحول النجمة من مؤدية لدور داخل الحكاية إلى مركز ثقل يُعاد بناء الفيلم حوله، حيث تُصاغ الشخصيات والخطوط الدرامية بما يتوافق مع الصورة الجماهيرية التي تمثلها.

ويبدو ذلك واضحًا في تجربة نبيلة عبيد، التي لم تكن مجرد ممثلة ناجحة، بل تحولت إلى صورة سينمائية متكاملة للأنوثة في الخيال الجماهيري. فحضورها لم يكن يضيف عنصرًا جماليًا فحسب، بل كان يحدد نبرة الفيلم نفسها، ويمنح الجمهور وعدًا بنوع معين من الإغواء والقوة الناعمة. بذلك تصبح الشخصية امتدادًا لصورة النجمة، ويتراجع ثقل الحبكة أحيانًا لصالح حضورها باعتباره مركز الجاذبية الأساسي.

ومن هنا، تتخذ النجومية النسائية لنبيلة عبيد بُعدًا صناعيًا واضحًا؛ إذ لا يعود اسمها مجرد عنصر دعائي، بل يتحول إلى علامة تجارية تُبنى حولها هوية الفيلم. فاختيارات الموضوعات، وطبيعة الأدوار، وحتى أساليب الدعاية، تُصاغ بما يعزز هذه الصورة ويعيد إنتاجها. بذلك تصبح النجمة مشروعًا متكاملًا يحمل تصورًا محددًا عن الأنوثة، قابلًا للتسويق والتكرار، ويمنح الجمهور تجربة متوقعة يسعى إليها.

بناءً على ذلك، يمكن قراءة تجربة نبيلة عبيد باعتبارها لحظة تحول أصبح فيها الجندر عنصرًا فاعلًا داخل اقتصاد الشباك في السينما المصرية. فلم تقتصر نجوميتها على الموهبة أو الحضور الجماهيري، بل ارتبطت بقدرتها على ترسيخ صورة أنثوية واضحة المعالم، تحولت في حد ذاتها إلى قوة جذب تجارية. لذا، لم تكن بطولتها مجرد موقع داخل السرد، بل كانت المحرك الأساسي للعمل فنيًا وتسويقيًا، حيث أصبح اسمها علامة جاذبة للجمهور، وضمانًا لانتشار الفيلم محليًا وعربيًا.

الانطلاقة المبكرة لنبيلة عبيد

ترتبط بدايات نجومية نبيلة عبيد باكتشاف المخرج عاطف سالم لها، وهو الاكتشاف الذي شكل البوابة الأولى لحضورها على الشاشة. فقد بدأت بخطوات صغيرة في فيلم «مافيش تفاهم» (1961) بدور كومبارس صامت، قبل أن تخطو خطواتها الأولى نحو البطولة المطلقة عبر فيلم «رابعة العدوية» (1963) للمخرج نيازي مصطفى، والذي شكل نقطة تحول مهمة في مسيرتها. وعلى الرغم من تواضع أدائها آنذاك، ارتبط الجمهور بالفيلم بشكل رئيسي من خلال الأغاني المرافقة لأم كلثوم، ما منح الفيلم صدى واسعًا ومكانة خاصة في ذاكرة المشاهدين.

إلا أن مسيرة نبيلة عبيد في الستينيات والسبعينيات ظلت محدودة نسبيًا، إذ لم تُتح لها الفرصة لإبراز كامل موهبتها. فبرغم كثرة الأعمال التي شاركت فيها، اقتصر معظم أدوارها على الشخصيات المساندة التي تدور في فلك البطل، كما في أفلام «المماليك» (1965) مع عمر الشريف و«زوجة من باريس» (1966) مع رشدي أباظة. ويُعد فيلم «خطيب ماما» (1965) مع أحمد مظهر استثناءً نسبيًا، إذ بدا أداؤها فيه أكثر تطورًا مقارنة بالأعمال السابقة. غير أن الانطلاقة الحقيقية جاءت مع أول إنتاج لها المقتبس عن قصة للكاتب إحسان عبد القدوس، وهو فيلم «وسقطت في بحر العسل» (1977)، الذي منحها مساحة أوسع لتأكيد حضورها، ومهّد الطريق لنجوميتها اللاحقة.

وتذكر نبيلة عبيد في أحد لقاءاتها أنها لم تكن راضية عن أدائها أو طبيعة الأدوار التي قُدمت لها في تلك المرحلة، ما دفعها إلى التوقف مؤقتًا عن قبول أعمال جديدة وإعادة التفكير في مسارها الفني. ومنذ ذلك الوقت، اتجهت إلى التدقيق في اختيار الموضوعات والسعي نحو أدوار تمنحها مساحة أوسع للحضور والتأثير، وهو ما انعكس لاحقًا على اختياراتها الفنية.

الانطلاقة الحقيقية لنبيلة عبيد 1997:1977

رغم المحاولات المبكرة للسينمائيات المصريات في الإنتاج والإخراج والتمثيل، ظل حضور المرأة على الشاشة مقيدًا في البداية بعلاقتهن بالرجال، حيث كانت الأفلام تركز على الجمال الخارجي للمرأة أكثر من تسليط الضوء على قضاياها الواقعية. ونتيجة ندرة النصوص السينمائية المخصصة لمعالجة قضايا المرأة، استمر هذا التمثيل المحدود، وجعل حضورها جزءًا من البنية الذكورية السائدة في السينما.

استمر هذا النمط حتى سبعينيات القرن العشرين، باستثناء عدد قليل من الأفلام التي حاولت كسر القاعدة، إذ كانت معظم الأفلام تكرس نموذج السلطة الأبوية، ولم تُمنح النساء أدوارًا بناءة إلا بشكل محدود. مع ذلك، شهدت السينما المصرية في تلك الفترة تحولات كبيرة، متوازية مع تغيرات اجتماعية عميقة، حيث برز كتاب ومخرجون سعوا لمواكبة هذه التحولات. فبعض الكتاب، مثل وحيد حامد وبشير الديك ورافت الميهي وإحسان عبد القدوس، تناولوا مواضيع أكثر جرأة، بينما تبنت موجة الواقعية السينمائية أسلوبًا جديدًا في التعبير الفني، ممثلة في أعمال مخرجين مثل محمد خان وعاطف الطيب وسمير سيف.

ومن بين هؤلاء، برز إحسان عبد القدوس بكونه أحد أهم من منح المرأة موقعًا مركزيًا داخل السرد، سواء اعتُبر طرحه نسويًا أم لا. فقد قدم شخصيات نسائية تُسلّط الضوء على تجربتها وعلاقتها بالمجتمع، وتعكس الصراعات الواقعية والضغوط الاجتماعية التي تحدد خياراتها وسلوكها. ويتجلى هذا الاهتمام في أفلام مثل «أنا حرة» (1959)، و«النظارة السوداء» (1963)، و«إمبراطورية ميم» (1972).وقد استطاعت نبيلة عبيد، بذكائها الفني وقدرتها على اختيار الأدوار، أن تبني نجوميتها عبر أعمال مستوحاة من نصوصه، مؤكدة أنه كان شريكًا أساسيًا في توجيهها عند اختيار مشاريعها الفنية. ومن أبرز هذه الأعمال فيلم «ولا يزال التحقيق مستمرًا» (1979)، الذي تناول واقعة حقيقية هزت المجتمع والصحافة، وحلها عبد القدوس إلى نص منح عبيد مساحة واسعة لتقديم شخصية مركبة تتحمل ثقل الحكاية.

 عن هذا الأداء، حصلت نبيلة عبيد لأول مرة على جائزة من مهرجان الإسكندرية السينمائي، كما أشاد بها النقاد، ومنهم الناقد الكبير  سامي السلاموني، الذي وصفها بأنها استطاعت تقديم شخصية مركبة تحمل على عاتقها الفيلم بأكمله.

نجحت نبيلة عبيد في اختياراتها الفنية اللاحقة في جعل كل تفاعل على الشاشة طبيعيًا ومؤثرًا، سواء مع الشخصيات الأخرى أو مع جمهورها، من خلال أفلام مثل «التخشبية» (1984)، و«أرجوك أعطني هذا الدواء» (1984)، و«الراقصة والطبال» (1984). ورغم تفاوت المستوى الفني لهذه الأعمال، فإن ما ميّزها كان حضورها القوي وقدرتها على معالجة قضايا الطبقات المهمشة، وتقديم صورة المرأة القوية والمُعذَّبة في آن واحد. وبذلك أصبح وجودها على الشاشة تجربة فنية تُثير الانبهار وتضمن نجاح الفيلم جماهيريًا، إذ تكشف اختياراتها لهذه الأعمال أن قوة التمثيل النسائي لا تنبع فقط من النص أو الإخراج، بل من شخصية الممثلة نفسها. فالنجمة التي تمتلك وعيًا بذاتها وحضورًا داخليًا قويًا تستطيع تقديم تمثيلات متعددة للمرأة، تعكس تناقضات الواقع الاجتماعي وتعقيداته.

لم تكن هذه النجومية وليدة صدفة، بل تراكمت من خلال أدوار أخرى أثبتت براعتها في دراسة الشخصيات وتقديمها، وأبرزها فيلم «العذراء والشعر الأبيض» (1983)، الذي رسّخ أقدامها كممثلة بارعة. جسدت فيه امرأة تبحث عن إشباع عاطفة الأمومة، رغم أن نبيلة عبيد نفسها لم تختَر الإنجاب لتفادي تأثيره على حياتها الفنية. وما ميّز الفيلم وأعطاه قوته الحقيقية كان الأداء العاطفي المركب لنبيلة عبيد، الذي جعل شعور الأمومة يتجاوز كل عناصر القصة، وعزز حضورها كنجمة قادرة على حمل أفلام درامية مهمة.

 ويشير الناقد سامي السلاموني  إلى أن قوة نبيلة عبيد تكمن في قدرتها على تجسيد التباينات داخل الشخصية؛ فهي تنتقل بسلاسة من امرأة جذابة وساحرة إلى امرأة منكسرة ومحطمة، تعيش صراعًا بين الرغبة في التحرر والقيود الاجتماعية، وهو ما يمنح أداءها عمقًا وصدقًا ويجعل المشاهد يتفاعل مع مشاعرها المتناقضة.

شراكة نبيلة عبيد مع المخرج عاطف الطيب والسيناريست وحيد حامد :

لم تكن نبيلة عبيد مجرد بطلة ضمن سردية يهيمن عليها الرجل، بل تحولت إلى نموذج للـ”نجمة المركز”، حيث يُبنى الفيلم حول حضورها، بينما يصبح البطل الذكر غالبًا شخصية داعمة أو موازنة. بهذا الشكل، جسدت عبيد نموذج البطولة النسائية الذي يجمع بين سطوة الديفا وجماهيرية نجمة الشباك، متجاوزة حدود الأداء التمثيلي التقليدي لتصبح أيقونة تمثل الجاذبية، السلطة، والمصداقية الشعبية، ورمزًا لسينما تحاور المجتمع وتكشف تناقضاته وطموحاته.

وهذا ما أثبته اختيار نبيلة عبيد أفلام مثل «الراقصة والسياسي» (1990) للسيناريست وحيد حامد و«كشف المستور» (1994) للمخرج عاطف الطيب، إذ يتضح أن السينما المصرية في التسعينيات لم تقتصر على عكس الواقع فحسب، بل كانت أحيانًا تسبق الأحداث الاجتماعية والسياسية بنصف خطوة. فقد جسدت هذه الأعمال الجرأة في تناول قضايا شائكة من العلاقات المشبوهة بين السلطة ورؤوس الأموال، إلى التمويلات الخارجية، واستخدام الأجهزة السرية للتدخل في الحياة الخاصة.

لتصبح أشبه بـ”نسخ تجريبية للمستقبل”، تقدم للجمهور تجربة أولية لما سيحدث لاحقًا في المجتمع.هنا ، تتحوّل البطلة إلى أكثر من مجرد حضور على الشاشة؛ فهي وسيلة فنية تفتح نافذة لفهم تعقيدات السلطة والمال والجنس، في عصر كان الوصول فيه للمعلومات محدودًا قبل انتشار الإنترنت ووسائل الإعلام الحديثة.

ما يميز هذه المرحلة فنيًا في مسيرة نبيلة عبيد هو أن تعاونها مع كبار المبدعين لم يكن عشوائيًا، بل كان جزءًا من بناء هويتها كنجمة تجمع بين السينما التجارية، التي تلبي متطلبات السوق، والسينما الاجتماعية، التي تتناول قضايا المجتمع بعمق. لتنجح في تحقيق هذا التوازن الصعب، ما منحها القدرة على التنقل بين البساطة التي تجذب الجماهير والتعقيد الذي يتيح معالجة قضايا اجتماعية مهمة.

تمثل نجومية نبيلة عبيد تقاطعًا فريدًا بين الصورة الاجتماعية، البعد الاقتصادي، والخطاب الثقافي. فهي جسدت تحولات صورة المرأة على الشاشة، من أدوار تقليدية رومانسية إلى شخصيات طموحة وقادرة على مواجهة السلطة والمجتمع، مع تصوير صراعات طبقية واجتماعية متنوعة. وفي الوقت نفسه، كانت أفلامها غالبًا تُسوق باسمها، فأصبح حضورها ضمانًا لجذب الجمهور وتحقيق الإيرادات. ولم تكتفِ أدوارها بإعادة إنتاج النموذج الأنثوي التقليدي، بل صاغت نموذجًا جديدًا للمرأة الفاعلة في السرد، القادرة على اتخاذ القرارات والمواجهة، لتصبح نجوميتها خطابًا ثقافيًا واجتماعيًا يُسوق جماهيريًا، ويحوّل التجربة الأنثوية نفسها إلى عنصر محوري داخل السينما المصرية.

مشاركة: