مع بداية الإعلان عن الأعمال المشاركة في السباق الرمضاني لعام 2026، أثيرت النقاشات حول مسلسل «أب ولكن» المقرر عرضه في النصف الثاني من الشهر، كونه يناقش بوضوح قضايا حضانة الأطفال بعد الطلاق. وتوقع الجميع الجدل الذي قد تثيره هذه الفكرة بين التيارين الذكوري والأنثوي، وما يطرحه كل طرف من مظلومية تتعلق بعدم عدالة القوانين تجاهه.

لكن المفاجأة كانت أن يفجر مسلسل «كان ياما كان» الجدل نفسه، رغم أنه لم يكن متوقعًا منه الاقتراب من مثل هذه القضايا؛ إذ بدا في حلقاته الأولى بعيدًا عن أروقة محكمة الأسرة. العمل من إخراج كريم العدل وتأليف شيرين دياب، وبطولة ماجد الكدواني، ويسرا اللوزي، وريتال عبد العزيز، بمشاركة مجموعة من الممثلين؛ يوسف عمر، وحازم راغب، وحنان يوسف، وجلا هشام.

فرص ضائعة وعدم استغلال جيد للأفكار

في الحلقة الثانية عشرة، تُصارح داليا (يسرا اللوزي) المعالجةَ النفسية بأنها لم تفكر يومًا في إنهاء حياتها، بل كان كل ما تبحث عنه هو “هدوء الأفكار”. جاء هذا الحوار عقب محاولة انتحار فاشلة، بعد أن طردها مصطفى (ماجد الكدواني) من مسكن الزوجية.

والحقيقة أن العمل حاول منذ اللحظة الأولى المبالغة في إبراز دلالات الاكتئاب لدى داليا؛ بدءًا من رغبتها في الهروب من الجميع يوم ميلادها، مرورًا بتصرفاتها المتخبطة، وصولًا إلى جلساتها مع الطبيبة التي شددت على ضرورة الالتزام بالعلاج. كان يمكن لهذا الخط الدرامي أن يقدم عملاً مميزًا في خمسة عشر حلقة، لكن، مع الأسف، وقعت الكاتبة في فخ الرغبة في طرح أكبر عدد ممكن من القضايا، فانتهى الأمر إلى مناقشة “اللاشيء”.

هكذا بدا المسلسل عملًا خاويًا، بشخصيات تفتقر إلى دوافع واضحة، ليجد المشاهد نفسه يتساءل مع كل حلقة: إحنا فين؟ وإيه اللي بيحصل؟

كان يمكن للعمل أن يستفيد من الخط الدرامي القوي لشخصية داليا، فيناقش تداخل مرض نفسي كالاكتئاب مع أزمة منتصف العمر التي داهمتها بسبب شعورها بعدم تحقيق أي إنجاز شخصي يُذكر؛ وهو ما كان كفيلًا بطرح أسئلة مهمة حول ضرورة الاهتمام بالصحة النفسية، وأهمية تحقيق الأهداف الذاتية، فضلًا عن تأثير العلاقات الطويلة، كالزواج، في تعقيد الأزمات النفسية.

لكن مع تخبط دوافع الشخصيات الناتج عن كتابة مشتتة، فقد العمل هذا المسار، وظهر في النهاية معاديًا للمرأة، رغم أن كاتبته من بني جنسها. فشخصية داليا، التي تعاني من الاكتئاب ومن سيطرة والدتها النرجسية (حنان يوسف)، جاءت محاطة بأداء مكتئب فاقد الشغف من يسرا اللوزي، وهو الأداء ذاته الذي تكرر في أكثر من عمل، ما فتح الباب لجدل مضاد لقضايا المرأة؛ خصوصًا مع توظيف قوانين الأسرة في يد والدة داليا والمحامي لافتعال أزمات مع طليقها من العدم.

هذا الطرح فتح الباب لخطاب مضاد عن مظلومية الرجل، وكأن كل المطلقات نسخة من داليا، وكل المطلقين نسخة من مصطفى؛ ذلك الرجل المحترم المحب الذي ينفق على أسرته بطيب خاطر. وكأن محاكم الأسرة، وقضايا السيدات اللاتي يحصلن على “فتات الفتات” من أزواجهن، غير موجودة أصلًا.

ولو أن الكاتبة لم تنتصر لقضايا النساء، فعلى أقل تقدير كان عليها، في مرحلة الكتابة، القيام بزيارة سريعة إلى محكمة الأسرة؛ لترى بالعين المجردة مدى ندرة وجود نموذج “مصطفى” على أرض الواقع.

خيبات أمل ومجهود ضائع

وإذا تأملنا الشخصيات المساعدة، سنجد أن الأمر لم يختلف كثيراً على مستوى الكتابة؛ فشخصية علي (حازم راغب)، وكذلك تفاعل المحيطين بها، يفتقران تمامًا إلى المنطق، وكأن عالم المسلسل منفصل عن الواقع. فالأم التي رفضت تزويج داليا لشريف (نور محمود) بسبب مستواه المادي في الماضي، توافق فجأة على تزويج ابنتها الثانية مي إلى علي، الذي يبدو أقل منها اجتماعيًا. وحتى مي نفسها تتقبل، منذ بداية علاقتها بعلي، جملًا وتعليقات مريبة وُجدت فقط لتكشف للمشاهد نواياه الحقيقية بشكل مقحم.

كذلك سمر (تميمة حافظ)، التي تقيم مع حبيبها زين (يوسف حشيش) خارج إطار الزواج، في سياق يُقدم وكأنه طبيعي ومنطقي وشائع، بل وتستنكر رفض عائلتها له. أما الخط الدرامي الوحيد المتسق مع نبرة المسلسل المناهضة للمرأة، والتي تعمل على شيطنتها، فهو خط نورا (جلا هشام) وزوجها سيف (يوسف عمر)؛ حيث تُصور نورا، موظفة البنك، كشخصية تهمل زوجها وتضع العمل والترقي في مقدمة أولوياتها، ليقدم المسلسل ذلك كحجة مبررة تمامًا للخيانة الزوجية، حين يقع سيف في حب مايا (هنا غنيم).

أما العنصر الأهم، والأكثر تضررًا من عدم تماسك الخيوط الدرامية، فهو الطفلة فرح (ريتال عبد العزيز)، التي ضاعت وسط القضايا المشتتة للعمل، ومنها أثر الطلاق على الأطفال. ورغم كونه موضوعًا مكررًا طُرح في أعمال درامية عديدة، فإن المسلسل استخدم فرح كأداة في يد والدة داليا للضغط على مصطفى، وفي الوقت نفسه كوسيلة لتأكيد فكرة «شيطنة» السيدات القادرات على التفريق بين الآباء وأبنائهم.

يتجلى ذلك في مشهد ميلودرامي يترجى فيه مصطفى ابنته أن تحدثه لدقيقة واحدة، لتظهر فرح وكأن موقفها من والدها وحبها له قد انقلب مئة وثمانين درجة، من دون أي بناء درامي يبرر هذا التحول. ومرة أخرى، يغفل المسلسل الحيادية، متجاهلًا فرصة مهمة لمناقشة علاقة أم مكتئبة بابنتها المراهقة؛ فمن هذا الخط وحده، ومع دراسة نفسية أعمق لهذه العلاقة، كان يمكن تقديم عمل متميز.

في الحقيقة، العمل على المستوى البصري جيد؛ حيث اهتم كريم العدل بتأسيس كادرات معبرة عن أحوال الأبطال ونفسياتهم، إلى جانب باليت ألوان كئيب يزداد قتامة مع تصاعد الأحداث، وتنويع الآلات الموسيقية المصاحبة لمشاهد داليا ومصطفى، وكأن لكل منهما آلة تعبر عنه. كما جاء تتر البداية بصوت مدحت صالح، وهو إعادة تقديم لأغنية «الحب اللي كان» لميادة الحناوي، من كلمات وألحان بليغ حمدي، في تجربة شبيهة بمقدمة مسلسل «سابع جار»؛ حيث مزجت كلمات الأغنية مع مشاهد مُنفذة بالذكاء الاصطناعي، لتمهيد الطريق لقصة بيت دافئ هُدم في ليلة وضحاها، مع فارق المستوى الفني بالطبع.

كل هذه الإمكانات الواعدة ذهبت هباءً في نص درامي خيوطه غير مترابطة، ويحمل خطابًا مناهضًا للمرأة؛ ومن المؤسف أن يكون هذا مستوى العمل، خاصة بعد أن قدمت لنا شيرين دياب في موسم 2023 مسلسل «تحت الوصاية» الذي ناقش قضية نسوية هامة بشكل محايد واحترافي.

في النهاية، يظل مسلسل «كان ياما كان» نموذجًا حيًا للفرص الضائعة؛ فبدلًا من المساهمة في التوعية بأشكال الاكتئاب المختلفة التي قد تضرب أي طرف في العلاقة وتؤدي إلى تدمير الذات والآخرين، وتحليل أزمة منتصف العمر التي نادرًا ما تُناقش من جانب السيدات وكأنها تخص الرجال فقط، تحول العمل إلى منصة لتعزيز خطاب كراهية ضد المرأة، وتسطيح قضايا محكمة الأسرة في صورة “تار بايت” بين طرفين، حيث ظهر أحدهما بمظهر الملاك الذي يكتفي برد الفعل.

لقد سقط المسلسل في فخ التعميم المضلل؛ فصور الرجل (مصطفى) كقديس لا يخطئ، والمرأة (داليا) كعدو للاستقرار النفسي والأسري، متجاهلًا إبراز أعراض الاكتئاب الجسدية والنفسية التي قد تدفع المرء إلى إنهاء حياته حرفيًا، فقط ليتخلص من الأصوات الصاخبة في رأسه.

مشاركة: