“القصة تبحث في الموضوعات الخالدة والإنسانية المشتركة، لا القوالب الجاهزة.

مع كل مرة يُعرض فيها عمل فني مأخوذ عن قصة واقعية، يلهمني رد فعل الجمهور وإقباله على مشاهدته، سواء كان فيلمًا أو مسلسلًا. ما السر والمثير في أن يشاهد المتفرج عملاً يعرف قصته بالفعل وربما عاصرها؟ ولماذا يكون تأثير القصة الحقيقية وإقبال الناس عليها أكبر من القصة المقتبسة عن الأدب أو المسرح أو أي مصدر آخر؟

تظل هذه الأسئلة متناثرة، إلى أن تأتي بعض الأعمال وتُقدّم إجابات، مثل مسلسل “حكاية نرجس”، الذي عُرض ضمن مسلسلات النصف الثاني من شهر رمضان، ويُعد من أهم الأعمال التي تُجيب عن بعض الأسئلة، وفي الوقت نفسه تطرح أسئلة أخرى مرتبطة بالواقع نفسه.

الاقتباس الذي بدأت به هذا المقال، وهو من روبرت مكّي في كتابه الشهير: “القصة: الجوهر، البنية، الأسلوب، ومبادئ كتابة السيناريو”،  يخبرنا ببساطة أن القصة تعيد صياغة الواقع لتصل إلى معنى أعمق، وهي الإجابة المبدئية والبديهية التي يمكن تطبيقها على هذا العمل تحديدًا. فقصة “عزيزة ابنة إبليس”، كما لُقبت فيما بعد، أصبحت معروفة حين تم استضافة ابن عزيزة الأكبر في عدة برامج تلفزيونية، باحثًا عن أهله الحقيقيين بعدما اكتشف لعبة الخطف. القصة، بعد اندثارها بعامل الزمن، عادت إلى السطح مرة أخرى مع برنامج سامح سند، الذي يسرد فيه جرائم سجلها التاريخ، إلى أن فكر المخرج الشاب سامح علاء في تحويلها إلى مسلسل يخرجه هو كعمل درامي أول له، بعد إخراج عدة أفلام قصيرة مميزة، حتى إنه الوحيد الحائز على السعفة الذهبية من مهرجان كان عن فيلمه “ستاشر” عام 2020.

وعلى الرغم من أن المخرج هو رب العمل والمسؤول عن كل ما ورد فيه، إلا أننا أمام عمل يصرخ فيه كل عنصر باسمه، بدايةً من كتابة السيناريو والحوار لعمار صبري، وحتى ما قبل انطلاق العمل؛ فالنظر إلى عتباته الأولى من الملصق الدعائي وتتر البداية يشبه النظر إلى لوحات. وحين يُقال لفظ “لوحات” هنا، ليس للتفخيم أو الإشادة، بل لأنها فعليًا لوحات يمكن الوقوف عندها للدخول إلى جوهر العمل نفسه.

بوستر وتتر: لوحات ناطقة

في البوستر، نجد الزوجين البطلين يحتضنان بعضهما، وهو أمر طبيعي بين الأزواج، ولكن قراءة الصورة مع تحليل الشخصيات فيما بعد تكشف أسباب اختيار هذه اللقطة تحديدًا للتعبير عن الصورة الذهنية المرافقة للمسلسل.

في أول حلقة، يتم تكثيف الكثير عن حياة “نرجس / ريهام عبد الغفور”، امرأة طلّقت بسبب عقمها، تتحدى طليقها بأنها ستتزوج بل وتنجب، وعليه لجأت إلى ذراعي “عوني / حمزة العيلي” كي يكون العون لها.

وهذا يقودنا إلى أسماء الشخصيات نفسها، التي لم تكن هي نفسها في القصة الحقيقية. في البداية، قد تظن أن لكل شخصية نصيبًا من اسمها، وأن تحميل الدلالات في الاسم أمر معتاد ومكرر في الأعمال الفنية. لكن في حالة هذا المسلسل، تم اختيار الأسماء بعناية فائقة، انظر معي:

نرجس: هل هي زهرة النرجس الجميلة، التي سُميت وفق أسطورة نركسيوس، الفتى الجميل الذي مات حين رأى صورته في صفحة الماء وأغرم بنفسه لدرجة رغبته في احتضان صورته هذه فمات غرقًا؟ إن كان الأمر كذلك، فالرد أن نرجس / عزيزة كانت امرأة دميمة وفق المعايير السائدة للجمال، فهنا اسمها يحمل عكس صفاتها. أم أن نرجس تعبير عن الشخصية النرجسية، كما اتجه بعض الأطباء في وصف الشخصية النرجسية، واضعين الصفات التي يمكن تطبيق جميعها على أفعال وسلوك نرجس؟

عوني: هل هو العون حقًا؟ هل يصدق الجميع أن عوني شريك معاون لنرجس؟ على العكس تمامًا، في كل عمليات الخطف تكون مساعداته طفيفة، بل وهناك الكثير مما تخفيه عنه. حتى حين حاول تنفيذ المهمة في الطفل الثاني، نجده يعود فاشلًا ومُهزومًا. فعوني نفسه يحمل في اسمه عكس صفاته، رغم تصدير صورة أنه المعاون والزوج الصالح في البداية.

سعد: زوج الأخت، الذي يقوم بدوره تامر نبيل، ليس كما يوحي اسمه. هو شخص شرير دون مبررات، جالب الفقر حين ضغط على الاستمرار في جرائم الاختطاف بهدف البيع.

الطفلان (يوسف / يونس): هما بمثابة أنبياء قصتهم مليئة بالضياع والتيه من الأهل لسنوات.

ولم تكن هذه الصورة الدعائية الوحيدة للمسلسل، بل نرى صورة كل بطل على حدة؛ نرجس تجلس على كرسي دون الإمساك بشيء، والحائط خلفها يظهر ظلها محتضنة طفلًا، وهو ما ترى الشخصية أنه ينقصها. أما عوني، فيجلس أيضًا، وعلى الحائط نجد العكاز في إشارة لما يجعله يشعر بالنقص.

لم تتوقف العتبات عند هذا الحد، بل نجد التتر بأغنيته “تستنوا إيه” من كلمات نادر عبدالله، وصوت رحمة رياض خير تعبير عن عالم نرجس وشخصيتها.التتر عبارة عن لقطات من مشاهد / لوحات، جميعها بنفس طريقة التلوين في لوحة “آكلو البطاطا” لـ فان جوخ التي رسمها عام 1885. اللوحة تصور مجموعة من الفقراء حول طاولة الطعام يأكلون البطاطا التي زرعوها، تعبيرًا عن بؤسهم وفقرهم، من خلال الألوان الترابية ونظرات وجوههم والإضاءة المعتمدة القادمة من لمبة جاز. ولكن الفارق بين شخصيات اللوحة ونرجس، رغم أن كلاهما فقير، أن آكلي البطاطا يأكلون ما ينتجون، بينما نرجس على أرض بور.

مفردات سامح علاء الإخراجية

خوض التجربة الأولى ليس سهلاً مهما كان الشخص بارعًا في عمله. فعلى الرغم من نجاح سامح علاء في إخراج الأفلام القصيرة، إلا أن التجربة الأولى في الدراما تُشكل رهبتها بالتأكيد. ومع ذلك، ذكاؤه يجعلني أعتقد أنه كان يُعامل كل حلقة على أنها فيلم قصير. ولهذا، لم ينفصل عن العمل، بل شكّل له إيقاعًا يخطف الأنفاس، سواء بالموسيقى الخلفية المناسبة لحالة الرعب المثيرة، أو بأداء الممثلين، الذي لم يكن أحدهم جيدًا وآخر سيئًا، بل تشعر أن الجميع نشأوا معًا في نفس الحي الفقير.

ومع ذلك، هناك أشياء مهما تحكم بها المخرج قد تخفق لسبب بسيط: العملية الإبداعية جماعية وليست فردية، كما في كتابة رواية مثلًا. لذا، ما يجعل الإشادة بأسلوب علاء الإخراجي واجبًا هو الصورة التي قدمها للمشاهد.

طوال المسلسل، يتم تحليل الكادرات، ليس فقط من دارسي الدراما أو النقد، بل من الجمهور العادي الذي غرق في الحكاية ولامسته. طوال المسلسل، يضع المخرج موتيفات خاصة تعبر عن الشخصيات أو الأحداث؛ سواء كانت سمكة وحيدة في حوض بجانبها وسيلة نجاة (أم عوني)، ويتم التقطيع بين أنفاس الأم الغريقة وتلك السمكة، أو لقطات سريعة جدًا للقطط في أكثر من مشهد تعبيرًا عن الأطفال، أو قطة تغادر جريًا، وبعدها سفر الأخ (جمال / أحمد عزمي).

وليس المفردات أو الموتيفات فقط، ولكنه يُدرك تكوين الصورة جيدًا. كمثال بسيط: حين تذهب نرجس لأختها هدى لتهددها بالإيصالات رغبة في استرداد مال زوجها، نجد المنزل مقلوبًا رأسًا على عقب بحجة التنظيف، ولا يوجد سوى كرسي وحيد تجلس عليه الأخت، بينما تظل نرجس واقفة لتظهر في موضع قوة وسلطة أثناء تهديدها. مشهد واحد، ولكن هناك الكثير مثله، يمكن تحليله دون ملل.

الكتابة ثم الكتابة

التقاط سامح علاء لهذه القصة تحديدًا ضمن جرائم عديدة وملفات لا حصر لها لتكون موضوعه الأول في الدراما، لم يكن من باب أنها قضية مثيرة ستجذب الجمهور فقط، بل لأنه مع السيناريست عمار مصطفى وضعا تأسيسًا ونقدًا للمجتمع.

يظهر ذلك بوضوح في كلمات أغنية التتر وحلقات البدايات ضمن الحوار بين الشخصيات. فـ نرجس، لو كانت ضمن بيئة ومجتمع سوي غير ضاغط على أبنائه، لما وُلدت الشيطانة التي تمادت وتوغلت.

وليس هي فقط، بل عوني وأخوه عبارة عن شخصيات مشوهة بسبب والدتهم أيضًا. الشخصيات مرسومة بعناية، مع لغة حوار تناسب وزن العبارات دون الغرق في مونولوجات أو السرد بمشاهد يمكن الاستغناء عنها. بل حتى البناء الدرامي يعتمد على التفاصيل، ووجود السبب ثم النتيجة، وهو نوع من الكتابة نفتقده مؤخرًا.

ربما توجد بعض الهفوات، مثل نسيان وجود الهواتف في مشاهد ضياع يوسف كطفل، أو الصدف الزائدة في بعض الحلقات، لكن التكثيف وتكامل العناصر مع بعضها كأوركسترا لا يخطئ عازفها، يغفر هذه الهفوات أمام مسلسل يمكن اعتماده للتدريس في المستقبل، بل وحتى يمكن اعتباره صفعة لمجتمع وأمهات، يُظهر كيف يمكن تربية إنسان أو خلق وحوش.

مشاركة: