لم يكن ظهور دياب هذا العام عبر شخصية “حجاج القط” في مسلسل «هي كيميا» مجرد لفتة عابرة للانتباه، بل خطوة أخرى في ترسيخ حضور يتصاعد بثبات. هنا يلعب دور الشرير بواجهة هزلية، لكن بعيدًا عن الشكل الكارتوني السهل، يقدم شخصية بخفة ظل واضحة، وتحولات داخلية تعكس دوافع معقدة، تتبدل وفق إيقاع الأحداث، فتُضحكك من الخارج، بينما تحتفظ بعمقها من الداخل.
تلك المساحة بين الجد والهزل جعلت أداء دياب يتجاوز مجرد “إيفيهات” عابرة إلى بناء درامي متماسك لشخصية متقلبة لكنها مفهومة. لذلك لم يكن غريبًا أن يصبح حديث منصات التواصل مقدمًا نموذجًا مميزًا داخل فئة الأشرار الكوميديين.
ولكن مهلا! أليس هذا ما يفعله دياب باستمرار في مسيرة تمتد لتسع سنوات في الدراما الرمضانية، وإحدى عشرة سنة منذ بداياته في التمثيل؟
دخول عالم الفن من أبواب حفلات الزفاف
قبل الحديث عن مسيرة دياب في الدراما الرمضانية، ربما يجدر التوقف عند بداياته الأولى في عالم الفن. أغلب المصريين تعرفوا عليه مطربًا، مع ألبومه الشهير “العو”، الذي حمل الأغنية التي ارتبطت باسمه لسنوات، إلى جانب “غمازات” التي تحولت وقتها إلى واحدة من أغاني الأفراح الأكثر حضورًا.
لكن ما يرويه دياب دائمًا عن تلك المرحلة في تصريحاته المكتوبة والمصورة لا يقل أهمية عن الأغنيات نفسها. شاب قادم من ظروف مادية بسيطة، يحاول أن يجد لنفسه موطئ قدم في فترة التسعينيات، فكانت البداية من أفراح إمبابة، حيث جاءه عرض للغناء في حفل زفاف لم يكن يتوقع إنه مفتاح مغارة “علي بابا”. ليلة واحدة فتحت الباب لسلسلة طويلة من الحفلات الشعبية، ومع تكرار الطلب عليه بدأ اسمه ينتقل تدريجيًا من شوارع الأفراح إلى مكاتب الإنتاج الموسيقي. من هناك، بدأ اسم “دياب” يشق طريقه بثبات في عالم الغناء، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى التلفزيون.
اكتشاف موهبة إستثنائية
لم يكفِ دياب يومًا عن سرد حكاية دخوله عالم التمثيل في كل مقابلة إعلامية، حريصًا على أن يمنح كل من كان له فضل في اكتشافه حقه، خاصة في مسلسل «ساحرة الجنوب» الذي لفت أنظار المخرجين وصناع الدراما إليه للمرة الأولى.
قبل «ساحرة الجنوب»، كان دياب قد تلقى عروضًا عدة، أغلبها جاءت انطلاقًا من شهرته كمطرب، لكن تلك الأدوار لم تقنعه. كان يرى أنها لا تشبهه، ولم يكن يشعر حينها بأنه يمتلك ما يكفي من أدوات للظهور على شاشة التلفزيون كممثل. لذلك فضل التراجع بدلًا من أن يظهر في صورة لا تعبر عنه أو تكرّس حضوره في قالب واحد اعتاده الجمهور.
إلى أن وجد نفسه فجأة أمام الكاميرا يقدم شيئًا مختلفًا، وهنا بدأت الرحلة الحقيقية؛ بداية تجسيدات وشخصيات لا تشبه بعضها، لكنها جميعًا حملت ملامحه الخاصة. نجح دياب في الدور، ثم ظهر لاحقًا بشخصية الأمين زناتي في مسلسل «كلبش»، الذي عرض موسمه الأول عام 2017، لتكون تلك محطة جديدة ضمن سلسلة بداياته المتكررة في طريق النجاح. هنا بدا واضحًا أنه يخلع الصورة التي اعتادها الجمهور عنه، ويقدم نفسه بهيئة مختلفة تمامًا عما ارتبط باسمه سابقًا.
لم تتوقف الكتابات النقدية ولا تعليقات الجمهور عن الإشادة بتميز أدائه وتجسيده للشخصية، وبدأت النظرة إليه تتغير؛ لم يعد مجرد مطرب يخوض تجربة تمثيلية، بل فنان يمتلك أدوات قابلة للتطور، وقد واصل بعدها استكشاف موهبته والسعي إلى أدوار أكثر تنوعًا ونضجًا.
رحلة تطوير موهبة وتثبيت للأقدام
لم يتوقف دياب عن اقتناص الفرص التي تمنحه مساحة أوسع للجرأة في اختيار الأدوار، ساعيًا إلى تثبيت اسمه في عالم الدراما التلفزيونية. لكن رحلة التطوير تلك لم تخل من بعض الإحباطات، خاصة حينما شارك في أعمال لم تحظ بالرواج أو النجاح المنتظر. إلى أن جاء ظهوره الشرفي القصير بشخصية “كتكت” في مسلسل «البرنس». ورغم أن مساحة الدور محدودة، فإن أدائه كان لافتًا، كأنه يذكّر الجميع بقدرته على ترك أثر في أقل مساحة ممكنة. هذا الحضور هو ما دفع المخرج محمد سامي إلى منحه دورًا أكبر وأكثر محورية في «نسل الأغراب»، ورغم الإنتقادات التي طالت هذا العمل طيلة موسم عرضه، فإن دياب كان استثناءً وأدى المطلوب منه كما ينبغي.
لاحقًا، ظهر في موسم 2023 بشخصية “صالح” في المسلسل الذي كان حديث الساعة وقت عرضه بسبب جرأته في تناول واحدة من أهم القضايا الاجتماعية الراهنة، وهو «تحت الوصاية» لمحمد شاكر خضير. أتذكر جيدًا مدى إعجابي بهذه الشخصية تحديدًا؛ فقد كُتبت تحولاتها بعناية، وصُنعت تقلباتها بشكل منحها ثقلًا وصدقًا. “صالح” ليس شريرًا تقليديًا، بل شخصية تمتلك خلفية منطقية ومبررات واضحة، تحمل أزماتها الخاصة وندوب نشأتها وأحلامًا لم تكتمل. كان يصارع واقعه بتهور أحيانًا، مدفوعًا برغبة عميقة في استعادة ثقته بنفسه وإثبات حضوره. تلك التفاصيل صنعت مساحة أداء ثرية، استثمرها دياب بوعي، ليقدم واحدًا من أبرز أدواره المساندة في موسم رمضان 2023.
كل هذا التراكم الذي صنعه على مدار السنوات، لفت إليه نظر المخرج تامر محسن في موسم 2025، ليمنحه دور “أسعد” في مسلسل «قلبي ومفتاحه»، إحدى أعقد وأصعب الشخصيات التي شاهدناها العام الماضي، وقد لعبها دياب ببراعة وهدوء تليق بشخصية محورية تدفع الأحداث وتترك أثرها الواضح طوال المسلسل.
ومع وصولنا لعام 2026، وظهور دياب في مسلسل «هي كيميا» بشخصية “حجاج القط”، حيث أخذ نمطًا مألوفًا في الدراما وحوّله ببراعة إلى كوميديا هزلية، ليصبح حديث الجمهور من جديد. بهذا الأداء، يواصل دياب إثبات نفسه كممثل موهوب، قادر على التحول والتألق في مختلف الأدوار والتصنيفات.
تلك هي مسيرة دياب التي، وفق قوله، بدأت بالصدفة. لكن ما أجمل تلك الصدف التي أخرجت لنا فنانًا يمتلك تفوقًا فنيًا هائلًا في عالمي الغناء والتمثيل، ويدفعه كل نجاح جديد إلى ترك بصمته أينما حل.

مهندس إنشائي ومراجع وصحفي هاوي محب للسينما والكتابة