يقدم مسلسل «أب ولكن»، المعروض ضمن السباق الرمضاني لهذا العام، من تأليف وإخراج: ياسمين أحمد كامل، ومن بطولة: محمد فراج، هاجر أحمد، ركين سعد، حجاج عبدالعظيم، خطابًا واضحًا حول “مظلومية الأب” من قانون الرؤية بعد الانفصال بين الأزواج. في قراءة مثل هذه الأعمال، قد يكون من المفيد تجاوز التحيز، كسيدة تكتب مقالًا، حتى لا يحدث اشتباك بين آراء فردية من تحيز إخراجي مقابل تحيز نقدي، في محاولة فعلية للاقتراب من العمل عبر منظور تحليلي بنيوي يهتم بالبيئة الخطابية التي ينتجها العمل الدرامي.
حيث يقدم العمل، باختصار، وفقًا لقصته، أبًا محرومًا من رؤية ابنته، أو بالأحرى، تستغل الزوجة/المطلقة “ثغرات القانون” بمعاونة المحامي الخاص بها كي تقهر الأب بحرمانه من ابنته، ليجد الأب ذاته في حلقة مُفرغة من محاولات البحث عن حيل يرى بها الطفلة. وقبل التوجه إلى أي تحليلات ربما تبدو عميقة، نستند في البداية إلى ما ورد داخل العمل.
ينقسم المسلسل بين زمنين (الحاضر/الفلاش باك أو الماضي)، تلك الثنائية التي توضح أسباب أزمة الزمن الحالي. الأب أدهم، المتزوج من الأم نبيلة، تحبه كما قدمها العمل، وتتمتع برفاهية في بداية حياتها معه غير منتبهة للحفاظ على أمواله. يستشعر في بداية الزواج اختلافات بينهما تكمن في تفاصيل بسيطة، مثل شرائها المستمر من مواقع “الأونلاين”، وعدم الاستحمام بعد العودة من الخارج مثله، وعدم تنظيف المنزل باستمرار، ونومها إثر تعبها مع الطفلة بعد الوضع، وسهره بها في بعض الأحيان. دوافع متتالية، كما تم سردها، قُدمت في فلاش باك، أدت بالأب أدهم، بعد وجود طفلة في حياته، إلى أن يخون زوجته، واعترافه لها أنه لم يحبها.
ثم في الحاضر، وافتتاحية تتمثل في مشهد خطف الأب للابنة من المدرسة، كمحاولة فعلية لرسم شخصية أب مظلوم، في مقابل زوجة صاحبة نمط شرير متدرج من الاستهتار، واصلًا إلى حرمان أب من ابنته.
وفقًا لتحليل الشخصية ودوافعها، فشخصية الزوج تكرّس بشدة للسلطة الذكورية داخل منظومة الزواج، من حيث إلزام الزوجة بالتنظيف، والسهر مع الطفلة، وإبداء الضيق عند القيام ببعض المهام كشريك في المنزل. ولكن ربما يظهر في بداية العمل، الذي لم يتضح لُبّه بعد، أن هذه الأفعال سيئة، لكنها قد تكون دوافع للشخصية، ومع مرور الحلقات ينكشف الأمر.
المؤلف الضمني
يوجد ثنائية شهيرة داخل الدراسات الدرامية تحمل شقين مختلفين (صوت الشخصية/صوت المؤلف). ارتبطت هذه الثنائية بنظريات قدمها الناقد الأمريكي Wayne C. Booth حول إشكالية السرد، والتي ظهرت بوضوح في كتابه The Rhetoric of Fiction أو “بلاغة السرد”، وهو كتاب نقدي هام صدر عام ١٩٦١، ويعد واحدًا من أهم النصوص التأسيسية في دراسة السرد الحديث، لإعادة تعريف العلاقة بين المؤلف والمتلقي والنص، وارتكز فيه على مفهوم “المؤلف الضمني” وقدرته على توجيه المتلقي داخل العمل. أي ببساطة، هي محاولة نقدية لتفكيك العمل الفني: هل كان يمرر أفكار المؤلف عبر شخصياته، أم أنها دوافع فعلية من الشخصيات، لإنتاج ثنائية أخرى (شخصيات مستقلة تحمل دوافعها/ أدوات خطابية).
ودون الإسهاب في نظريات قد تبدو معقدة، فعلينا أن نطرح مما سبق سؤالًا: متى ندرك أن الشخصية ليست مبنية دراميًا؟
ففي الشكل الكلاسيكي لبناء الشخصيات الدرامية، لا بد أن يكون لها دافع واضح، وتاريخ أو خلفية، وتناقض داخلي، وألا تكون ذات نمط ثابت، وأن تمر بتحول درامي، وفقًا لبنية الدراما التقليدية من بداية وصراع وذروة، وهكذا. وذلك بالاستناد أيضًا إلى كتاب Story: Substance, Structure, Style and the Principles of Screenwriting للمنظّر السينمائي Robert McKee، تلك المحاضرات التي يؤكد من خلالها أن القصة الجيدة تنبع من فهم عميق للجوهر الإنساني، لا من القوالب الميكانيكية.
وعند تفكيك التوصيف الميكانيكي نجده يرتبط ارتباطًا كليًا بخلق النمط، ويتبلور رسم النمط، الذي يبرهن على عدم وجود رسم قوي للشخصيات وعلو صوت المؤلف وموقفه، عندما تتحدث الشخصيات بلغة واحدة، ونبرة واحدة، ومظلومية، أو شر بيّن، ثم يظهر الخطاب بشكل فج، وتتحول الحوارات إلى: مرافعات، وخطب، وشكاوى قانونية، ومظاهرات، بجانب غياب فعلي للتعقيد الأخلاقي، أي أنماط بين خير وشر. ومن هنا، لا يبدو الخطاب الموجود بالعمل نابعًا أبدًا من دوافع الشخصيات، بقدر ما هو امتداد مباشر للغاية لصوت المؤلفة المخرجة؛ أي مجرد عمل يقدم خطابًا احتجاجيًا، ينوي قبل البدء تغيير القوانين، ويحمل صوتًا أحاديًا.
ومنها، فالأزمة لا تكمن في طرح قضية قانونية -وهذا الشق سوف نستدعيه في الجزء القادم من المقال- بل في الطريقة التي يُطرح بها الأمر، بتحويل الشخصيات الدرامية إلى منصات خطابية، ليفقد السرد تعددية أصواته، ويتحول إلى بيان يصوغ فيه المؤلف شخصياته ليعبر عن رؤيته المحدودة.
أدوار جندرية أم نمطية؟
عودةً إلى المنهج البنيوي وتنحية التحليل الدرامي، وطرح سؤال: لماذا تم استقطاب هذه القضية تحديدًا؟ حيث ننتقل من ثنائية الظالم والمظلوم إلى سؤال: ماذا تخفي هذه الثنائية خلفها؟
فالبنية السردية للمسلسل تقوم على عملية اختزال تُعيد تعريف الأبوة من وجهة نظر أحادية، بوصفها علاقة عاطفية أساسًا، أي حقًا في اللقاء والاحتضان والوجود العاطفي داخل حياة الطفل. وبذلك يغيب بُعدٌ آخر لا يقل أهمية في البنية الاجتماعية للأسرة، وهو بُعد المسؤولية اليومية أو الاقتصادية للرعاية.
فالسرد يركز على لحظة الحرمان من الرؤية بوصفها ذروة المأساة، في حين تتراجع إلى الخلفية أسئلة أخرى تتعلق بتوزيع السلطة أو الواجبات داخل العلاقة الأبوية. هذه التنحية تجعل الطفل في البنية السردية أقرب إلى رمز للصراع، وهذا ما أراده العمل بالفعل، حيث تتحول الأبوة إلى مطلب عاطفي أكثر منها ممارسة اجتماعية متواصلة.
ومنها، يمتنع الأب عن دفع النفقة لأنه لا يرى ابنته، ويخلق المؤلف الضمني مبررًا لا دافعًا، بأنه لم يرَ الابنة، إذًا لم يدفع النفقة. بينما تشير إحصائيات محاكم الأسرة -ونعلم جميعًا- إلى أن قضايا النفقة التي تتقدم بها سيدات لم يتمكنّ من الحصول على نفقتهن تمثل النسبة الأكبر من دعاوى الرجال في مشكلة الرؤية وامتناع السيدات عنها، وأن الأحقية لعرض القضايا ذات الشيوع الأكبر، ولكن هذا لا ينفي أحقية تناول قضية، حتى لو كانت موجودة بنسبة ١٪، أو -على أقل تقدير- يعاني منها نموذج واحد حتى في العالم.
هو بالفعل حق، ولكن الطريقة التي يقدم بها العمل نفسه كرّست وتضامنت مع الامتيازات الذكورية، في ظل خطابية ومباشرة الحوار؛ أي إن طريقة عرض الأطروحة حولت النسبة الضئيلة إلى مأساة مركزية للأسرة المعاصرة.
فلا إنكار لمعاناة الرجال، وإن كانت ضئيلة للغاية، ولكن ما قدمه العمل ينفي تمامًا وجود أي معاناة للسيدات، ويردد بخطابية فجة أن القانون في صالح المرأة، وأن المحامي الخاص بالزوجة يستخدم ثغرات القانون -لم يتم التصريح بها، لكن يُعاد ترديد الجملة كل حلقة تقريبًا- ومنها ينتج تمثيل درامي غير متناسب مع حجمها البنيوي في الواقع القانوني.
كما أن الرجال تتمتع بامتيازات عدة داخل قوانين الأحوال الشخصية لم يذكرها الخطاب الدرامي، مثل حق الطلاق بإرادة منفردة، بينما تحتاج المرأة إلى اللجوء للقضاء لإثبات الضرر أو اللجوء للخلع مقابل التنازل عن جزء من حقوقها المالية. وعلى ذكر الحقوق المالية، فالخطاب الدرامي بالمسلسل يُدين بشكل واضح وجود “قائمة منقولات” تضمن حق الزوجة، وصرح أدهم داخل العمل قائلًا: “غلطة عمري أني مضيت على القائمة”. وكأن ضمان حق الزوجة غلطة يرتكبها الرجل إذا وافق عليها، وبالتالي لم يكن هناك تساوي بين الطرفين في أحقية الطلاق. إلى جانب ذلك، يحتفظ الأب في كثير من الحالات بصفته الولي القانوني على الطفل حتى بعد الطلاق، وهي صفة تمنحه اتخاذ قرارات قانونية تتعلق بالولاية التعليمية رغم حضانة الأم، وهو شكل آخر من الامتياز الذكوري الذي لم يشر إليه المسلسل كربطًا واضحًا بين السلطة القانونية والأبوة، وكذلك حق السفر، وجملة “مافيش أب بيخطف عياله” المتكررة على مدار الحلقة الأولى، وسرعة الإجراءات القانونية في حبس الأب وإلزامه بالنفقة المتأخرة، غير متسق مع الواقع مطلقًا.
كما أن أدهم في النهاية زوج خاين، كما قدمه العمل، يعتمد على صديق له سوابق غير قانونية لمساعدته في خطف الطفلة وتعريضها للخطر والتنمر في مدرستها. محاولاته المتكررة بجنون تتسبب في أفعال تؤثر على الطفلة لمحاولة رؤيتها، وتصوير الحصول على تمكين من شقة الزوجية بأنه فعل غير أخلاقي، رغم أن الأم حاضنة، ولابد من توفير مسكن لها وللطفلة وفقًا لامتيازات الذكر التي يتمتع بها في مقابل النفقة.
نمط وكاريكاتير وتصورات طفولية
ولزيادة التأكيد على أن كتابة الشخصيات كافة ما هي إلا أدوات ديناميكية لتمرير أفكار المؤلفة، فالشخصيات المساعدة، بخلاف أنماط الأب والأم، إما أنماط أيضًا أو كاريكاتير، مثل نمط الجدة/ والدة الأم نبيلة، فهي شريرة بشكل فج، طماعة، مُسيطرة.
ويؤسفني أن أشير إلى أن أداء الممثلة “هايدي عبدالخالق”، التي تتمتع بموهبة عالية للغاية، لم يخرج عن شكل تأديتها لشخصية “زينات صدقي” في مسرحيتها الشهيرة “الأرتيست”، التي تُعرض على مسرح مركز الهناجر للفنون، وهذا يعود كليًا إلى توجيه المخرج للأداء التمثيلي المفتعل، الذي لم تجد الممثلة المحترفة في شخصيتها أي تطورات لتلجأ إلى أداء اعتادته، دون محاولة لتطويره إخراجيًا.
وبخلاف ذلك، كونها نمطًا محرضًا، عند مشاهدة أي حلقة نجدها بنفس الأداء والأفعال، لا تتطور على الإطلاق. في الحلقات الأولى من المسلسل، وهي تحرض الطفلة على كره أبيها، تتجلى صورتها كرتونية تشبه الساحرة الشريرة، وكأنه Point of View للطفلة ترى فيه الجدة شريرة.
ولو صدقنا هذا الاحتمال، أنها لم تكن رؤية المؤلفة المخرجة للشخصية، وكأنها تتعامل مع المتفرج كطفل، لا بد أن تتجسد أمامه الساحرة الشريرة حتى يدرك مدى الشر الكامن داخلها، وأنها رؤية الطفلة بالفعل لها، فإنه على أي أساس صورتها الطفلة في خيالها هكذا؟ وهي المرة الأولى لها في لقائها مع الأب، ولم يكن لديها أي خلفيات سابقة عن شر الجدة تجاه والدها، نظرًا لأنه لم يسبق وجود أي موقف للرؤية بشكل فعلي حرضتها فيه الجدة ضد والدها.
كما أنه لو كان ذلك نظر الطفلة للشخصيات، ولم يكن موقف المؤلفة وحكمها المسبق من الحلقات الأولى على الشخصيات، فلا براح لنا كمتفرج لأي حكم، بل هي مُقدمة أنماطًا وتصورها كرتونية لزيادة الاستخفاف بآلية التلقي.
فالطفلة لم تقم بفعل التصور الكارتوني تجاه أي شخصيات أخرى، أي أنه لم يُقدم أي تأسيس وفقًا لخيال الطفلة، الذي ترى فيه الأب دائمًا أمام عينها وأعيننا بأنه سبايدر مان، والمعلمة منقذة جميلة كأي شخصية كارتونية لطيفة، والأم نبيلة على غرار الساحرة الشريرة، بل هو مشهد عابر يرتبط ارتباطًا كليًا بتصور المخرجة الكارتوني الكاريكاتيري.
ومن جديد، في رسم شخصية “أمجد المحامي”، بخلاف رسم أي دوافع واتفاقنا على النمط، يظهر أرجوزًا يقدم شخصية على طريقة الفارس الكوميدي، الذي لا مجال لمبالغته المتسقة مع مبالغة وكاريكاتورية سائقة الأوبر بالحلقة الأولى، تلك البلهاء الكارتونية، كتصورات عابرة لا تثري الحدث لأنه غير موجود من الأساس. وناصح أو حكيم نمطي مسجون “محمد لطفي” يُقدم في زمن الماضي نصائح أبوية غير معروف مصدرها أو خلفيته عنها أو تعريف للشخصية من الأساس.
وفي النهاية، هذا العمل يمكن أن يشكل خطرًا حقيقيًا، ليس فقط على قانون الأحوال الشخصية، بل على شكل الدراما التلفزيونية، إذا استمرت في تقديم نفسها بهذه الصورة في مرات قادمة. لأنه غير قارئ جيد لواقع مجتمعه، ولا لقواعد الدراما التي يتطرق إليها لعرض أفكاره.

ناقدة فنية
حقيقي رؤية جميلة عن مسلسل أب ولكن..