يأتي مسلسل «عرض وطلب» من تأليف محمود عزت وإخراج عمرو موسى، بعد ما يقرب من ثلاثة أشهر من عرض مسلسل «لا ترد ولا تستبدل»، من إخراج مريم أبو عوف وتأليف دينا نجم وسمر عبد الناصر؛ إذ تتعرض حكاية المسلسلين لقضية التبرع بالأعضاء والاتجار بها، خاصة لمرضى الفشل الكلوي.

يطرح مسلسل «لا ترد ولا تستبدل» قضيته جلية منذ الحلقات الأولى، من خلال بطلته ريم التي تنتمي للطبقة المتوسطة والعليا، إذ تكتشف مرضها بالفشل الكلوي، ما يجعلها تخوض رحلة مؤلمة بحثًا عن متبرع. من خلال ذلك يكشف المسلسل عما يعانيه حاملو هذا المرض من التعرض للنصب ومواجهة عصابات الاتجار في الأعضاء، بالإضافة إلى ما يتعرضون له من ألم جسدي وضغط وأذى نفسي من التقلب بين الأمل وضياعه، في خضم تلك الرحلة المضنية، حتى وهم يملكون القدرة المادية على تحمل نفقاتها، فما بالك بالفقراء الذين لا يملكون حتى ثمن جلسة غسيل واحدة، في ظل مجتمع يحرم تبرع الإنسان بأعضائه بعد الوفاة.

للوهلة الأولى ومع بداية عرض مسلسل «عرض وطلب»، في النصف الثاني من الموسم الرمضاني، نظن أننا أمام عمل يتطرق للقضية نفسها، خاصة وأن عنوانه يمنحنا دلالة مباشرة وواضحة لموضوعه، لكن مع تقدم الحلقات نجد أننا لسنا أمام عمل يناقش قضية اجتماعية، وإنما مسلسل جريمة عن شخصيات تدفعهم الظروف إلى سلوك الطريق الوعر.

إيقاع ضل طريقه

يبدأ السرد في «عرض وطلب» من نقطة الذروة، في إيقاع متسارع وموتر، إذ تعاني والدة هبة من الفشل الكلوي في مراحله الأخيرة، ما يهدد بفقدان حياتها في أي لحظة ما لم تُجرِ عملية الزرع في أسرع وقت. وتواجه البطلة تلاعب شوقي “المتبرع” والذي يطالبها بزيادة المبلغ المتفق عليه أو ممارسة الجنس معها إذا لم تستطع توفير هذه الزيادة، وتحت وطأة الموقف الضاغط تضطر للتورط مع جيرانها في الحي، خيرية وكابونجا، الحلقة الأولى والأصغر في عصابة للإتجار بالأعضاء.

من هنا نفهم أننا لسنا أمام عمل يناقش مشكلة اجتماعية، ولكننا نشاهد مسلسل إثارة يحكي قصة مجموعة من الأشخاص يضطرون تحت وطأة ظروفهم وحاجتهم المادية إلى الانخراط في عمل إجرامي، صادف أنه تجارة زراعة الكُلى بفضل علاقتهم بخيرية الممرضة التي تمثل حلقة الصلة المباشرة بالمنظومة الإجرامية.

ورغم البداية القوية والمتماسكة، وتصاعد التوتر في الحلقات الأربع الأولى، التي رسخت لتورط هبة مع خيرية وكابونجا ونعيم في وحل هذا العالم المظلم بظهور شعبان مسؤول بنك الدم، وتهديده لحياة فاتن ما لم توفر له هبة متبرعاً آخر بديلاً عن زعزوع الهارب منهم، وتتبع أحد أفراد العصابة لهبة ومراقبتها، سرعان ما ينهار هذا الإيقاع المشدود مع الحلقة الخامسة، ويترهل السرد الذي أصبح مثقلاً بحكايات فرعية زائدة، مثل علاقة هبة بزميلتها في المدرسة، ورحلتها مع ثابت إلى مقبرة رضيعهم المتوفى، التي تستفيض في اجترار علاقتهما المنتهية التي علمنا بالفعل أسباب فشلها من “الفلاش باك” في الحلقات الأولى.

ولاستعادة عنصر الإثارة الذي أُهدِر على مدار ثلاث حلقات، استغرقت في قصص جانبية تخص الحياة الخاصة لكل شخصية على حدة، ومحاولات إقناع هبة بالعمل سمسارة كُلى، يعود شوقي مع شقيقه الذي تدهورت حالته بسبب تعاطيه المخدرات في مشهد مفتعل، ليهاجم المجموعة في خطوبة ثابت بدلاً من نقله إلى المستشفى كرد فعل منطقي لأخ مثل شوقي يهتم لأمر شقيقه الأصغر ويعلم السبب الحقيقي وراء إعيائه، لكن يبدو أن صناع العمل لم يجدوا حلاً أكثر توافقاً مع المنطق لتوريط كل هذه الشخصيات معاً وإعادة إيقاع المسلسل إلى مساره الذي ضل عنه.

الكثير من علامات الاستفهام

رغم ما تتعرض له المجموعة من تهديد متمثل في شعبان الذي قرر معاقبتهم على تلاعبهم به وتسببهم في ضياع زعزوع بتهديد حياة فاتن، وطرد خيرية من عملها الذي تعول منه أسرتها، واستيلائه على سيارة كابونجا وسيارة هبة التي ستدفع ثمنها مقابلاً لكلية شقيق شوقي، نجدهم يواجهون ذلك بفتور لا يتناسب وحجم التهديد الواقع عليهم، فتنطلق هبة في رحلتها مع ثابت إلى رشيد في محاولة لاستعادة علاقتهما، ويحاول كابونجا وخيرية العمل لحسابهما وإقناع هبة بالاشتراك معهما.

هذا الفتور في مواجهة التهديد أفقد المسلسل جزءاً كبيراً من عنصر التشويق الذي ينشأ من شعور الشخصية بالخطر ورد فعلها المتسق مع حجم هذا الخطر.

اضطرت هبة إلى الولوج إلى هذا العالم المظلم تحت وطأة محاولاتها لإنقاذ حياة أمها حتى لا يكون مصيرها مثل مصير رضيعها الذي فقدته بسبب المرض، ويكون نجاحها في إجراء العملية لأمها تعويضاً عن شعورها بالذنب لفشلها في إنقاذ طفلها، لكنها لا تملك دوافع كافية تؤهلها لاختيار ممارسة هذا النشاط الإجرامي بكامل إرادتها.

يملك كل من نعيم وكابونجا وخيرية، ولاحقاً شوقي، أسباباً واضحة لاختيار ممارسة هذا النشاط الإجرامي؛ فتعول خيرية أسرتها في ظل وجود زوج لا يعمل، ويحاول نعيم الذي يعمل موظفاً في الشهر العقاري توفير نفقات كلية الطب لابنته التي يدفعها لتنأى بنفسها عن الوسط الذي يعيشون فيه، في حين يعيش كابونجا في فقر يبدو جلياً من مظهر بيته، وعمله سائقاً على سيارات يملكها آخرون.

لا يوجد في تكوين شخصية هبة ما يدفعها لاختيار طريق الجريمة عن إرادة ووعي، فهي فتاة مسالمة تبدو قليلة الحيلة ومنصاعة أحياناً لأمها ولزميلتها التي تستغلها في المدرسة، وعندما اضطرت لاستخدام كابونجا ليساعدها في تهديد شوقي لإجراء العملية، كان ذلك بدافع سباقها مع الزمن لإنقاذ أمها من الموت الوشيك، لكن مع انتهاء التهديد زال الدافع، ولم يعد هناك مبرر لهذا العمل.

لم يؤسس المسلسل من البداية أيضاً لوجود أي ضائقة مادية تخص هبة وعائلتها حتى يمكننا القول إنها قررت خوض غمار هذا الطريق بدافع الحاجة المادية مثل باقي الشخصيات، ولم يكن هناك سوى ثمن نقل الكُلى ومصاريف العملية التي استطاعت تدبرها من بيع سيارتها، وعندما تخبرها خيرية أن أدوية أمها غالية وكيف لها أن تتدبرها، تخبرها هبة أنها سوف تأخذ وردية عمل إضافية في المعمل وتزيد من الدروس لتدبير المال، فما الذي يدفعها إذن للانخراط معهم؟!

ساهم ارتباك رسم الشخصية وتشوش دوافعها في ضعف أداء سلمى أبو ضيف الذي ظل لفترة طويلة ثابتاً على الوجه الحزين ونظرة العين المنكسرة رغم اختلاف المواقف التي تتطلب منها تنويعاً في الأداء، وربما تحسن قليلاً مع قرارها بالتعامل مع العصابة واعتناقها لفكرة أنها تمارس تجارة “عرض وطلب”.

يبدو ثابت أيضاً شخصية تحمل دوافعها وردود أفعالها علامات استفهام كبيرة لا توجد لها إجابات منطقية؛ فعلاقته بهبة علاقة غير مفهومة يسودها الغموض، فإذا كان حقاً يريد تجاوز علاقته بهبة فلماذا يقرر خطبة ابنة صاحب البيت رغم أنه لا تربطه بها علاقة عاطفية، والإصرار على السكن في العمارة نفسها مع هبة؟! وإذا كانت مشاعره تجاه هبة وتعلقه بها هو ما يدفعه لذلك، فلماذا رفضها عندما عرضت عليه العودة معاً واستمر في علاقته ببسنت؟!

يُصر ثابت على إقحام نفسه في حياة هبة وممارسة دور الوصي على كل ما تفعله دون مبرر واضح، وعندما يتأزم الموقف في شقتها يوم خطبته، ويحاول الجميع صرفه من شقة هبة وإبعاده عن الصراع الدائر بها، يتشبث بوجوده ومواجهته لشعبان رغم إعلانه الدائم عدم رغبته في التورط في الفوضى المحيطة بهبة، ومع اكتشافه لشخصية الصحفي يساعده ويدفعه إلى تصويرها وكأنه يحاول أن ينتقم منها لكن لا يمنحنا المسلسل وصناعه دافعاً واضحاً لكل ذلك.

نجح المخرج عمرو موسى في تعاونه الثاني مع السيناريست محمود عزت، بعد اشتراكهما في مسلسل “في ساعته وتاريخه” بجزأيه، في جذب انتباه المشاهدين إلى الحلقات الأولى من “عرض وطلب”، بفضل إيقاعه السريع اللاهث وتصاعد الصراع رغم كثرة استخدام “الفلاش باك” والحركة البطيئة (Slow Motion)، مما بشر بوجود عمل جيد ومتماسك في موسم باهت مليء بالإخفاقات، لكن سرعان ما انهار تماسكه أمام سرد مضطرب وشخصيات غير واضحة المعالم.

مشاركة: