لطالما كانت السينما فنًا بصريًا في جوهرها، قادرًا على الاكتفاء بالصورة وحدها. في بداياتها، ظهرت الأفلام صامتة، وظلت لسنوات تجربة تعتمد على الصورة  قبل أي عنصر آخر. ومع ظهور الصوت، شكك العديد من النقاد وصنّاع الأفلام في ضرورته، معتبرين أنه إضافة ثانوية يمكن الاستغناء عنها، إذ يظل جوهر الفيلم قائمًا على الرؤية البصرية.

اليوم، هناك أفلام كسرت هذه القاعدة، مقدّمة شكلًا سينمائيًا جديدًا يعتمد على الصوت كأساس للسرد، حيث تصبح الصورة جزءًا من خيال المشاهد وتثري التجربة السينمائية بدلًا من أن تكون مجرد مكمّل.

من حدود التقنية إلى قوة التوثيق

في فيلمها «صوت هند رجب 2025»، الذي عُرض مؤخرًا في الدورة الثانية والثمانين من مهرجان البندقية السينمائي وحصل على جائزة الأسد الفضي، تختار” كوثر بن هنية”  أن تجعل الصوت محور التجربة السينمائية. فالصوت في الفيلم ليس مجرد أداة لنقل الحوار، بل يتحول إلى وسيلة أخلاقية ونفسية لتجسيد العجز واليأس.

يعتمد فيلم «صوت هند رجب» على التسجيل الصوتي الأصلي للطفلة الفلسطينية “هند رجب”، المحاصَرة والمهدَّدة بالموت، والذي يوثّق لحظاتها الأخيرة واستغاثاتها المتواصلة بمركز الهلال الأحمر الفلسطيني بعد مقتل جميع أفراد أسرتها أثناء نزوحهم من حيّ تل الهوي في شمال غزة.

يتبنى الفيلم نهج افلام  Hybride حيث  يجمع بين المقاطع الصوتية الحقيقية والدراما المصوّرة،هذا الأسلوب المزدوج أصبح علامة مميزة لدى من يعرفون أعمال المخرجة “كوثر بن هنية ” ولا سيما فيلمها المرشح للأوسكار “بنات ألفه 2023 “.اذن  الصوت هنا ليس مجرد مكمل للصورة، بل يشكّل جوهر الفيلم الذي يحرك الحبكة ويخلق تجربة سينمائية مشحونة. ففي اللحظات التي نسمع فيها استغاثة “هند” عبر الخطوط المتقطعة، لا يعمل الصوت كعنصر تقني داخل المشهد، بل كفضاء آخر يتجاوز حدود اللقطة، وكأن العالم المتداعي خارج الكادر يُعاد تشكيله في أذن المتلقي قبل عينه. هنا الصوت ليس مكمّلًا ولا يسعى لاستدعاء الخيال، بل حامل للمعنى، مكتسبًا دلالته من هشاشة اللحظة وقسوة السياق، ما يجعل الفيلم محملا بثقله الإنساني، حيث يصبح أي جانب فني ضعيف أو ركيك مرئيًا ومؤثرًا على التجربة السينمائية برمتها.

“صوت هند رجب”: الفيلم الذي لم تحتمل والدة هند مشاهدته

الحفاوة الجماهيرية التي قوبل بها فيلم “صوت هند رجب” في مهرجان فينيسيا السينمائي لم تأتِ من فراغ؛ فقد ارتبطت بسياقه الإنساني وبالتوقيت الذي عُرض فيه. استمر التصفيق بعد العرض لأكثر من عشرين دقيقة، ورفع الممثل” معتز ملحيس” العلم الفلسطيني، بينما ردّد الحضور هتاف “الحرية لفلسطين”. انتشرت مقاطع الفيديو سريعًا بين جمهور السينما، معبّرة عن تأثر واسع وإحساس بالاعتزاز بقدرة الفيلم على إيصال تجربة فلسطينية مأساوية عبر الشاشة.

هذا  التفاعل الجماهيري نفسه منح العمل قوة رمزية تتجاوز حدوده الفنية، وجعل منه وثيقة عاطفية قبل أن يكون مجرد فيلم، كأن الصوت الحقيقي لهند صار أكبر من أي بناء بصري يحيط به.ورغم هذا الاحتفاء الكبير، يظل الفيلم من الناحية الفنية يتضمن سلبيات خصوصًا في جزئه الخيالي والدرامي.

 بين التوثيق والدراما المفتعلة

يبدأ الفيلم بتلقي عمر—الذي يجسده الممثل “معتز ملحيس،”  مسؤول الهلال الأحمر—اتصالًا من رجل في ألمانيا يخبره بتعرّض سيارة تقلّ بعض أفراد عائلته لإطلاق نار أثناء محاولتهم إخلاء حيّهم في شمال غزة. تتوقف السيارة عند محطة وقود على بُعد خطوات من منزل العائلة، ويبقى بعض ركابها على قيد الحياة. يتمكّن عمر من التواصل مع “ليان” ، إحدى الناجين داخل السيارة وقريبة هند، فتصرخ: “إنهم يطلقون النار علينا”، قبل أن تتعالى الصرخات ويتحوّل كل شيء تدريجيًا إلى صمت مطبق يكشف مأساة اللحظة بكل قسوتها وواقعية تفاصيلها.

إذن لا يركّز الفيلم على إعادة تمثيل الأحداث على الأرض، بل يختار فضاءً آخر داخل مركز اتصال الهلال الأحمر في مدينة ” رام الله”، الذي تولّى استقبال المكالمات بعد توقف مكتب غزة عن العمل نتيجة القصف.

 هذا الاختيار المكاني يمنح السرد زاوية مختلفة عن مكالمة هند نفسها؛ فهو لا يعيد إنتاج الحدث، بل يقدّم تجربة بصرية مباشرة لحالة الارتباك والضغط العاطفي التي يعيشها الطاقم الذي يتلقى النداء مقابل ما يجري على الجانب الآخر من الخط. وهكذا يتحول مركز الاتصال إلى فضاء يكثّف التوتر الإنساني.

لكن علي الرغم من الفكرة الواعدة، التي كان من الممكن أن تمنح الفيلم عمقًا دراميًا وإنسانيًا استثنائيًا وتستثمر الإمكانات الكاملة لهذا الاختيار السردي، ظل التركيز منصبًا على صوت هند رجب الأصلي وإعادة سرد مكالماتها، بدلًا من توظيف مركز الاتصال كمساحة لخلق توتر متصاعد أو لإعادة تشكيل تجربة المشاهد في لحظة تفاعل مع الصوت. المكالمات، التي كانت متداولة إعلاميًا منذ أكثر من عامين، عُرضت من دون أي تطوير للحوار أو بناء درامي جديد داخل الفيلم. وبهذا، يحضر الصوت بوصفه وثيقة حقيقية، لكنه يفقد جزءًا من قوته السردية كعنصر متحرك للفيلم، مما يجعل التجربة أحيانًا مقيدة بين الحقيقية الإعلامية والخيال السينمائي.

في المقابل، جاءت مشاهد غرفة الطوارئ نمطية وبعيدة عن الواقعية العاطفية، مع حوارات تفتقر إلى العمق، مثل التكرار المستمر لعبارة “الحاجة إلى إسعاف سريع” أو تسجيل عمر للوقت منذ بدء المكالمة، وكأننا أمام بروتوكول إداري أكثر منه مشهدًا حيًّا للضغط عاطفيا  علي المشاهد . أما أداء الممثلة “سجا كلاني”، الذي بلغ حدّ الإغماء تحت وطأة الانفعال، فقد بدا مبالغًا فيه أحيانًا، ومنفصلًا عن الصدق العاطفي الذي يحمله الشريط الصوتي الأصلي، ما زاد الفجوة بين التمثيل والواقع.و خلق شعورًا بالتناقض بين الصوت الحقيقي والمشهد المصطنع.

حتي الصراعات التي حاول خلقها الفيلم بين طاقم الهلال، تبدو كليشيهات، مثل تحرك عمر بدافع إنساني جارف لإنقاذ الطفلة دون انتظار تصريح من جيش الاحتلال، بينما يقف مهدي (عامر حليحل)، رئيسه المباشر، في موقع النقيض، محاولًا ضبط اندفاعه والتمسّك بحسابات السلامة وعدم تعريض طاقم الإسعاف لأي مخاطرة.

 يظهر الفيلم وكأنه يحاول فرض التعاطف على المشاهد بدل أن يتركه يواجه الواقع بشكل طبيعي، كما في مواجهة بين عمر ورئيسه واتهام الأخير بأنه عميل لجيش الاحتلال، وهو أمر غير منطقي لمجرد تنسيقه مع الصليب الأحمر، الذي ينسق بدوره مع وحدات تابعة للجيش، خاصة وأن هذه الإجراءات متعارف عليها دوليًا في مناطق النزاع.

كل هذا الأداء المفتعل  قلّل من الإحساس بالاندماج مع المأساة الحقيقية التي يوثقها الفيلم. في المقابل، يحمل تسجيل صوت هند رجب وحده صدمته الخاصة، ويكفي لتوجيه المشاعر دون إضافات درامية مبالغ فيها.هذا الصدام بين المادة الواقعية وبنية السرد التمثيلي يولّد شعورًا بالاغتراب: المشاهد متابع بصريًا للفيلم، لكنه مستدعى عاطفيًا وتاريخيًا عبر الصوت. فالصوت الحقيقي، محمّلًا بالذاكرة الجماعية، يبدو حاضرًا بقوة لكنه غير مندمج مع عناصر الصورة. 

هذا النهج أحيانًا يبدو مستغلاً لإثارة الصدمة، بدل أن يكون تعبيرًا صادقًا عن مأساة الطفلة. يتحوّل صوت هند رجب في هذه الحالة إلى أداة درامية مُهيأة لإحداث تأثير مباشر على المشاهد، وليس كنافذة حقيقية على الواقع. وبهذا الشكل، يفقد الصوت جزءًا من صدقه الإنساني، ليصبح عنصرًا للإثارة أكثر من كونه ناقلًا للمأساة، ما يضع الفيلم في موقع نقدي معقد بين الصدق السينمائي والاستغلال العاطفي.لانه حين  تقدّم السينما الضحية كأيقونة، فهي تُحوّل شخصًا ذا تاريخ وطبقات ومشاعر إلى “رمز” صافٍ والرمز دائمًا أخفّ من الجسد الحقيقي، وبالتالي أقل صدقًا.

هنا يصبح الشكّ الأخلاقي والفني شرطًا أساسيًا في بناء الفيلم؛ فالمخرج مطالب بأن يكون واعيًا لكل اختيار بصري أو سردي، لأن غياب هذا الوعي قد يحوّل العمل إلى شكل من أشكال استهلاك معاناة الآخرين. نتيجة ذلك يجد المشاهد نفسه في حالة توتر أخلاقي ونفسي: هل يتعاطف مع ما يراه؟ أم يظل متفرّجًا محايدًا؟ أم يساهم من حيث لا يدري في إعادة إنتاج الألم ذاته؟

يأتي فيلم «صوت هند رجب» في سياق موجة من الأفلام الطويلة التي أثارت جدلًا واسعًا حول حدود الواقعية والفن، خصوصًا في ظل استمرار الحرب على قطاع غزة، مثل “كان يا ماك في غزة” إخراج الإخوان ناصر “ضايل عنا عرض ” إخراج مي سعد وأحمد الدنف، “اغمضي عينيك يا هند” السوري أمير ظاظا. 

يتباين الجمهور والنقاد بين من يرى ضرورة توثيق ما يحدث بدقة، ومن يعتبر أن السينما يجب أن تحافظ على بعدها الفني، ومن يرى أن بعض الأعمال لا ترقى إلى مستوى المأساة نفسها، ولا تلمس عمقها الإنساني.

مشاركة: