إذا تأملنا تاريخ السينما، سنجد أن المستشفيات، بأروقتها وحكاياتها، لا تغيب عن الشاشة، تحضر أحيانًا كفضاء يحتضن الأحداث، وأحيان أخرى كعتبة يمر منها الأبطال نحو لحظة مفصلية، أو ربما محطة عابرة تلقي بظلها على رحلتهم. لكن تبدو المسلسلات الموطن الأكثر رحابة للدراما الطبية، لأن المستشفى، بطبيعته، عالم حلقي؛ حالات تتبدل بلا توقف، لكل منها حكاية قصيرة مكتملة، تتقاطع جميعها داخل المكان نفسه، وتحت ضغط الزمن ذاته.
منذ خمسينيات القرن الماضي، نجح التلفزيون الأميركي في إرساء هذا النوع الدرامي، قبل أن يبلغ ذروته في منتصف التسعينيات مع انطلاق ER؛ المسلسل الذي يُنظر إليه بوصفه الأب الروحي للأعمال الطبية اللاحقة، وإن تباينت أساليبها وتنوعت جماهيرها. ومع تحول صناعة المسلسلات بفعل المنصات الرقمية، تبدل حضور الدراما الطبية وتراجع أحيانًا أمام أنماط أكثر جذبًا للسوق. غير أن بعض صناع ER قرروا العودة إلى هذا النوع بطابع حديث، رغم النزاعات القضائية القائمة مع ورثة مبتكر العمل الأصلي. هكذا وُلد مسلسل The Pitt «الحفرة»، مبتغيًا الموازنة بين تقاليد الدراما الطبية الكلاسيكية وفورمات معاصرة، لها شروطها وتحدياتها الخاصة.
لعبة الزمن داخل قسم الطوارئ
في افتتاحية ER، يطل “جون كارتر” كطالب طب بعينين مفتوحتين على اتساعهما؛ يدوّن، ويُصغي، ويحاول أن يضبط خطاه الأولى داخل إيقاع المستشفى المتسارع. ومع تعاقب الحلقات والمواسم، نراه يتقن المهنة حتى يغدو طبيبًا صقلته التجربة. ظل “كارتر” الدور الأبرز في مسيرة نواه وايلي، ذلك الارتباط الذي تصنعه المسلسلات طويلة الأمد بين الممثل وشخصيته، مهما تعددت المحاولات للخروج منها. لذا، حين يعود وايلي إلى ممارسة الطب على الشاشة عبر شخصية “الدكتور روبي” في The Pitt، يبدو الأمر كدائرة تُغلق؛ رئيس قسم طوارئ في مستشفى تعليمي، يستقبل طلابًا ومتدربين جدد، ويعيد معهم من موقع آخر، ما اختبره ذات يوم، دون أن يكون المسلسل اشتقاقًا أو تتمة مباشرة لـER.
يخوض The Pitt مغامرة سردية جريئة، حيث لا يكتفي بالوتيرة المحمومة والضغط المتواصل الذي يعانيه الطاقم الطبي، بل يرفع الرهان إلى مستوى أشد تعقيدًا. الموسم الكامل، المكون من 15 حلقة، يُقدم كمناوبة طويلة، حيث تدور الأحداث خلال يوم واحد، وكل حلقة تمثل ساعة، في محاولة لمضاهاة إيقاع الواقع نفسه. هذه التجربة، التي سبق أن خاضتها أفلام مثل Rope (1948) لهيتشكوك، وقدمها سابقًا مسلسل 24 (2001–2010) في إطار إثارة استخباراتي، تمنح السرد في The Pitt طابعًا مميزًا، وتبعده عن نزعة المواسم القصيرة التي باتت تهيمن على إنتاج المسلسلات الحالية.
يرافق هذا الخيار الزمني التزام مكاني بالبقاء داخل ممرات المستشفى معظم الوقت، حيث تخرج الكاميرا نادرًا، مقتصرة على مشاهد محدودة في الحلقة الأولى والأخيرة. وتصبح أقصى نافذة على العالم الخارجي هي الواجهة الأمامية للمستشفى أو شاشة صغيرة معلقة داخلها. هذا الالتزام يفرض على الكُتاب تقديم الشخصيات وأبعادها كاملة دون الاستعانة بمظاهر حياتهم الخاصة خارج الجدران، ما يجعل كل ما يدور داخل المستشفى أكثر كثافة ودرامية.
ينتمي The Pitt بوضوح إلى لحظته الراهنة، ويتجلى ذلك في بنيته ومضامينه. شخصياته الرئيسية قادمة من أعراق وخلفيات ثقافية متعددة، يقدمها السرد داخل نسيج واحد، حيث التعاون ضرورة يومية تتجاوز أي اختلافات فردية. وفي امتداد هذا الطرح، لا يتردد المسلسل في تبني خطاب مباشر حول تدهور منظومة الرعاية الصحية في الولايات المتحدة، والمخاطر المتصاعدة التي يواجهها الأطباء والممرضون داخل غرف الطوارئ. لكن هذا الانخراط المتكرر في قضايا معاصرة، عبر قصص المرضى، يأتي أحيانًا مثقلًا بالرسائل، على نحو يؤثر سلبًا على سلاسة التلقي. إذ تتحول بعض الحكايات إلى نماذج تمثيلية مباشرة، مثل تقديم شخصية عابرة جنسيًا، أو قصة أم بديلة تحمل جنينًا لصديقين مثليين، أو حالات تتناول فشل عمليات التجميل أو تحرش داخل الأسرة، بما يجعل الطرح أقرب إلى التكديس الموضوعي.
لكن ما يعيد للعمل توازنه وسط هذا الزحام الخطابي، هو ذلك الطيف الواسع من المشاعر التي تتجسد عبر شخصياته، المكتوبة بحس إنساني كافٍ لنسج علاقة حقيقية مع المشاهد؛ علاقة تجعله أقل انشغالًا بكيفية تمرير الأفكار، وأكثر تورطًا في سؤال: كيف يتعامل هؤلاء البشر مع الأزمات المتلاحقة داخل مناوبة لا تمنح أحدًا فرصة لالتقاط الأنفاس؟

اختبارات الموت والحياة
خلال أحد المشاهد، يصف دكتور روبي إدارة قسم الطوارئ بأنها مهمة سيزيفية. تتعجب الممرضة: إذًا، هذا عقاب! فيجيبها ساخرًا: تخيّلي سيزيف سعيدًا. في الأسطورة الإغريقية، كان سيزيف الرجل الذي احتال على الموت وكبله بالأصفاد، فتوقف موت البشر. ونتيجة لمكره المستمر، حُكم عليه بأن يقضي أبديته في رفع صخرة ضخمة إلى قمة جبل، وما أن يقترب من القمة، تتدحرج ثانية، فيعود ليعيد رفعها، وتستمر الدورة بلا نهاية.
في قسم الطوارئ، أو كما يسميه روبي “الحفرة”، تتكرر محاولات إنقاذ الأرواح بلا توقف: ينجو مريض، ويموت آخر، والموت رابض في المكان، يمكن أن يلمحه المرء في أي لحظة. قلب رجل عجوز يتوقف فجأة، طفلة صغيرة تلفظ أنفاسها بعد أن أنقذت شقيقتها من الغرق. هكذا، يواجه روبي وفريقه الطبي الموت مرارًا وتكرارًا، ليكتشفوا أن النجاح في إنقاذ حياة هو لحظة عابرة، سريعة الزوال. وفي تخيله أن سيزيف سعيدًا، يستعير روبي رؤية ألبير كامو: فالرجل، بحسب كامو، حين يعي مصيره ويقبله، يجد الحرية في المثابرة، ويقاوم عبث الحياة. كذلك، في The Pitt، تظل كل لحظة إنقاذ، مهما كانت قصيرة، انتصارًا على العبث، وفعل مقاومة في مواجهة الموت الدائم.
لكن ممارسة هذه المقاومة يوميًا تترك أثرها العميق على الشخصيات، خصوصًا هؤلاء المتعاطفين مثل روبي، الذي نلقاه في يوم مثقل على نحو خاص؛ يوم يتزامن مع ذكرى فقدان معلمه خلال جائحة كورونا. تلك الذكرى، التي تلاحقه طوال اليوم، ليست سوى طبقة في ثقل أقدم، يعود إلى أول أيام عمله، حين فقد طفلًا في الخامسة من عمره، جرحًا لم يندمل رغم مرور السنوات. ومع نهاية المناوبة، ينكشف هذا التراكم في لحظة انهيار مؤثرة، حين يُعدد الحالات التي فقدها خلال ساعات قليلة، لا كأرقام عابرة، بل كأثقال جديدة تضاف إلى ذاكرته.
يعرف روبي الموت معرفة شخصية، ويدفع تلاميذه إلى التوقف أمامه، ويحثهم على اتخاذ لحظات من الصمت والتأمل عقب كل فقد، موجهًا إياهم في الوقت ذاته إلى تعلم التعايش مع هذا الثقل، وإيجاد توازن يحميهم من الانكسار. غير أنه يبدو عاجزًا عن إنقاذ نفسه؛ وكأنه يغرق ولا يعرف إنه بحاجة إلى مساعدة.
لكن مثلما يصطدم الفريق بحضور الموت الثقيل، يجد نفسه على الدوام أمام اختبارات حياتية مختلفة. فالمسلسل يضع شخصياته أمام مواقف تستدعي تماسًا مباشرًا مع تجاربهم الشخصية، أو تدفعهم لاتخاذ قرارات تتشابك فيها الأخلاق الطبية مع الانحياز الإنساني. هنا يبدو العمل كالسير على حبل مشدود: أن يفهم الطبيب مريضه دون أن يُسقط عليه تجربته الخاصة، وأن يمارس التعاطف لا الحكم أو الوصاية. يكرر المسلسل هذه المعضلة عبر حالات متعددة، ويجعلها درسًا يُعاد تلقينه على المتدربين.
يوظف السيناريو لحظات التماس اليومي بين الطاقم الطبي والمرضى بوصفها مرآة للشخصيات، فمن خلال هذه التفاعلات تتكشف ملامحهم، ويتضح مسار كل منهم الدرامي داخل يوم واحد. بعضهم يُدفع إلى حافة الانكسار، حيث تواجه “دانا”، كبيرة الممرضات، اعتداءً من مريض غاضب، فتتسلل إليها رغبة في الانسحاب، ويصبح البقاء وسط هذه الفوضى عبئًا يفوق الاحتمال. وعلى الطرف الآخر، تظهر “سميرة”، الطبيبة التي تُنصت لمرضاها أكثر مما ينبغي، وتميل إلى بناء علاقة معهم، بوصف ذلك وسيلة تمنحها إحساسًا أكبر بالأمان وتقلل احتمالات الخطأ، وربما أيضًا محاولة لتعويض حياة استُنزفت بالكامل لصالح المهنة. في نهاية المناوبة، وبعد حديث عابر مع زميلتها تقرر أن تخرج ليلًا وتشارك الآخرين جلسة بسيطة تخفف وطأة يوم عصيب.
تبدو الشخصيات الجديدة المنضمة إلى الفريق، في أول يوم عمل، هي الأكثر جاذبية وحيوية؛ لأن السرد يلتقطهم وهم يعبرون اليوم من نقطة إلى أخرى، حيث في الصباح باندفاع البداية، وفي نهايته وقد تركت التجربة أثرها الواضح. لكل منهم ملامح حادة وسريعة الالتقاط: “جافادي”، الطالبة النابغة صغيرة السن، تدخل المكان بعقل لامع وخبرة حياتية محدودة، ما يدفعها أحيانًا إلى إطلاق أحكام متسرعة، لكنها تخفي خلف ابتسامتها الخجولة صلابة داخلية ورغبة صادقة في شق طريقها الخاص. وعلى النقيض، تأتي “سانتوس” بجرأتها وطموحها ولسانها السليط وروحها الساخرة، قبل أن يكشف الاحتكاك اليومي عن قدرة عميقة على التعاطف مع الحالات الهشة، تعرّي بدورها هشاشتها الشخصية وتجربة قاسية شكلتها. أما “ويتاكر”، فعفويته وطيبته واستعداده الفطري للتعاطف تجعل منه مرآة لروبي في سنواته الأولى.
لكن “ميل” تبقى الشخصية الأكثر جذبًا للانتباه؛ قلبها واسع كالحياة نفسها، ورقتها الداخلية تجعل تعاملها مع الحالات ينبض بتفانٍ آسِر، حتى تعجز أحيانًا عن كبح دموعها. خلف هذا الحس العاطفي العميق تكمن تجربة صعبة ومسؤولية رعاية شقيقتها المتوحدة، إلى جانب شعور خفي بأنها نفسها تكافح اضطرابًا ما. لكنها لا تسير بروح الضحية، بل بطاقة إيجابية تعيد الثقة بالإنسانية. تحمل ميل شكوكًا حول قدراتها ومدى انسجام شخصيتها مع مهنتها، ورغم ذلك تثبت جدارتها حين تستقبل المستشفى ضحايا اعتداء إرهابي، بينما تظل في رحلة مستمرة للعثور على توازنها بين مواجهة الموت واحتضان الحياة.

اختبارات الأمومة
يتكئ صناع مسلسل The Pitt على الشحنة العاطفية لتكافئ الكم الهائل من الحالات الطبية والمصطلحات العلمية وغيرها من تفاصيل دقيقة يشتهر بها النوع الدرامي. لكنهم لا يعولون كثيرًا على العلاقات الرومانسية بين الشخصيات، بل تظهر كوميض عابر هنا وهناك: قصة حب قديمة بين روبي والطبيبة “كولينز”، أو إعجاب جافادي المراهق بأحد الممرضين. من ناحية أخرى، تبرز الأمومة كثيمة حاضرة، تتسلل إلى أحاديث معظم الشخصيات الرئيسية، وتستحوذ على اللحظات الأكثر تأثيرًا في حلقات عدة؛ قوة إنسانية تتقاطع في أهميتها مع الموت والحياة، تحرك الأحداث وتختبر الشخصيات، فضلا عن كونها من أقوى الروابط الوجدانية التي يتفاعل معها المشاهد بسهولة.
نتلمس ثيمة الأمومة منذ الحلقة الافتتاحية، عبر نماذج متباينة لأمهات في مراحل مختلفة من الحياة. يبدأ ذلك بمشهد الغثيان الصباحي الذي يداهم الطبيبة “كولينز”، فيما تطمئنها “دانا”، انطلاقًا من خبرتها الحياتية كأم، بأن الأمر يستحق العناء. ثم تتسع الدائرة مع الطبيبة “مكاي”، الأم العزباء التي تعافت من الإدمان حفاظًا على ابنها، وتسعى باستمرار لإيجاد توازن هش بين متطلبات العمل ومسؤولياتها الشخصية. وتتجلى الأمومة أيضًا في علاقة “جافادي” بوالدتها، الطبيبة التي تعمل في المشفى ذاته، كما تُلمح في جملة عابرة، عبر حديث “سانتوس” عن علاقتها المضطربة بوالدتها.
لكن تتمثل هيمنة الأمومة في الحالات الطارئة التي تتوافد على المشفى، إلى حد يصعب تتبعها تفصيليًا، غير أن بعض النماذج يحظى بحضور أوضح داخل السرد. فهناك الأم التي تؤذي نفسها عمدًا لترافق ابنها المراهق بعد اكتشاف تورطه في إعداد قائمة إقصاء للفتيات، أملاً في تدخل يوقف هذا المسار. كما نرى أمًا تعطل الرغبة الجنسية لزوجها حماية لابنتهما منه، وأخرى تتدخل لمنع ابنتها المراهقة من الإجهاض، وغيرها ترفض خضوع ابنها المصاب بالحصبة لنزعة النخاع الشوكي خشية إيذائه، رغم توصية الأطباء.
يبدو المسلسل في هذا السياق مدركًا لتعقيدات الأمومة والاختبارات اللانهائية التي يمكن أن تواجهها النساء مع ابنائهن. ومع ذلك، كثير من السيدات اللواتي يظهرن برفقة أبنائهن يُقدّمن بصورة غير متزنة؛ فبعضهن يميلن إلى إيذاء الذات أو الآخر لحماية أبنائهن بدلًا من طلب المساعدة بطريقة طبيعية، بينما يعاني البعض الآخر من توتر وانفعال شديدين في مواجهة الأزمات، إلى حد الاستفزاز أحيانًا.
وفي الحلقة الأخيرة، يرفع المسلسل صوته في خطاب مباشر حول العنف ضد النساء، حين تواجه “مكاي” المراهق الذي أعد قائمة لإقصاء الفتيات. لكن رغم هذا الوضوح في الرسالة، تظل صورة النساء متقلبة ومشتتة، ما يقلل من قوة الخطاب ويضعف أثره. هذا التشتت يتوازى مع الكم الهائل من القضايا المتداخلة في المسلسل، بينما كان الاكتفاء ببضع قصص مؤثرة كفيلًا بالغوص في دوامة الموت والحياة التي يعرضها بعمق.

ناقدة سينمائية