“يحيى” محرر في صفحة الوفيات، رجلًا يلاصق الموت يوميًا حتى صار جزءًا من يومه. خطأ إملائي بسيط—الانتقال بين “مأمون” و”ميمون”—يصبح الشرارة الأولى؛ لحظة تبدو عابرة لكنها مشحونة بدلالات متعددة: مفارقة تثير ضحكًا خافتًا، وتفتح بابًا لثنائية تجمع بين الإيمان من جهة، والاسم الذي يحيل إلى عالم القرود من جهة أخرى؛ تفكيك يلامس هوية البطل ويكشف هشاشته. هذا الخطأ تحديدًا يتحول إلى مفتاح سردي يطلّ بنا على “المعجزة” التي ينتظرها بطل فيلم “آخر المعجزات” للمخرج الشاب عبدالوهاب شوقي، والذي عُرض مؤخرًا ضمن فعاليات مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، بعد منعه من العرض في مهرجان الجونة وما أثاره ذلك من أحاديث طويلة حول موقف الرقابة منه.

وبعيدًا عن الجدل، فإن الأهم هو النظر إلى الفيلم نفسه، ومحاولة قراءته من الداخل بعد عرضه الأول، بعيدًا عن أي ضوضاء تحيط به.

روتين الموت وموت الروتين

 البدء بفضاء مكان افتتاحي “بار” تتصدّر فيه زجاجات الجعة مقدّمة اللقطة، بينما يظهر البطل خلفها مشوَّشًا، يستقبل مكالمة من مدير عمله يوبّخه على ذلك الخطأ؛ يستقبلها وكأنها ليست المرة الأولى، كما لم تكن جلسته في البار هي الأولى، بل تلك هي حياته: حياة متعددة الأخطاء، ومتعددة أيضًا محاولات تناسي الخطأ عن طريق السكر، إلى أن يصل إلى محاولة نجاة من تلك الحلقة المفرغة التي لا تنفصل عن الخطأ نفسه. تأتي تلك المحاولة عبر مكالمة هاتفية من “الميمون” أو “المأمون”—اللذين يتضح في النهاية أنهما الاثنان معًا—يتشبث فيها البطل بأنها مكالمة “مبروكة” من المتوفّى، وأنه اختير لأنه “شخص مبروك”.

لم يكن تلقّي أمر التصديق مجرّد تأويل لهشاشة الشخصية، بل لِما يشعر به من بهتان حياته، ولرغبته في أن تأتيه فرصة تثبت له العكس. لذا، عند ظهور خيط بسيط تمسّك به بشدّة، دون أي فحص أو تحرٍّ مرتبط بطبيعة عمله في الصحافة، وهو ما يشكّل دليلًا آخر على عدم تصديقه لحياته كما هي. فهو يرى في ذاته شيئًا آخر لم يدركه بعد، ولذلك ارتبط بمكالمة “المأمون” وسار وراء تأويلها.

لننتقل من فضاء الخمّارة إلى فضاءات متعددة، بين معمار يحمل الطقوس والنقوش الأحمدية الصوفية. اختيار تلك المنطقة تحديدًا والذهاب إليها يرتبط ارتباطًا وثيقًا ببداية الفيلم. ورغم اختلاف الفضاءات، فإن فضاء الخمّارة يوضّح مهنة الشخصية، ويؤكّد وجود علاقة روتينية، بل ميكانيكية، مع الموت؛ أو بالأحرى علاقة باهتة مع فكرة الموت والقدر، تتولّد منها مشاعر قوية بانعدام الجدوى. أمّا الفاصل بين تغيّر تلك الفضاءات فهو ذلك الخطأ الإملائي الذي يمثّل لحظة عزوف عن اللاجدوى، ودخولًا في رحلة للبحث عن أصل الأشياء، كرغبة في وجود جديد.

من هنا يتضح أن الفيلم لم يقدّم عالم المتصوّفة بوصفه مسارًا دينيًا داعمًا للبطل أو معارضًا له، بل استخدمه كإطار رمزي لرحلة بطل يبحث عن ذاته، يتجاوز ضيق الكادر الافتتاحي، وينتقل إلى عوالم تمتلك براحًا وأنشطة يومية للذِكر، بما يتيح رصد الاختلاف التام على المستوى البصري بالأساس.

إجابة المعادلة: وهم متبادل

مثلما منح الكادر الافتتاحي الخانق والمشوَّش دلالته، فقد أتى قصيرًا للغاية؛ إذ لم يحاول الفيلم الإطالة في وصف كل فضاء أو تقديم خلفيات لكافة شخصياته. فجميعها شخصيات تظهر وسرعان ما تختفي، وكذلك الفضاءات. وما يميّز ثنائية الضيق والبراح هو مساحة الكادر فقط. لذا لم تظهر في البداية أي علاقة حب بين البطل وسيدة، ولم تظهر في منتصف الفيلم داخل عالم المتصوفة بوصفها علاقة حب أيضًا، بل كطيف تؤديه “غادة عادل” يشبه كافة أطياف الفيلم من أحداث متتابعة وأماكن وشخصيات متغيرة.

هذا الطيف يثبت للبطل معادلة معادلة طالما بحث عنها منذ دخوله عالمه الجديد، حيث الجزم بأن ١+١ قطعًا يساوي ١، وكأنها فقط إجابة على سؤاله، أو ربما أسئلته التي باتت لفترة مفرغة الإجابة نظرًا لاستمرارية بحثه عن إجابات لكثير من الأسئلة، لكن إجابة السيدة هو تصديق منها بأنه جزء من هذا العالم، وكأنها جاءت لتؤكد له أنه بالفعل مبروك، وتنفي عن ذهنه أي أسئلة تشككه في ذلك ولو لحظة.

مأمون وميمون = ١

ثم ينتقل الفيلم من جديد إلى فضاء البار مرة أخرى، في تأكيد على الدوران داخل الفراغ نفسه وعدم القدرة على الخروج منه؛ فالبدء والانتهاء يحدثان في المكان ذاته. وهنا يتضح أن من أجرى الاتصال الأول وادّعى أنه “مأمون” هو صديق سكير “ميمون”، يقدم له مقلبًا يستغلّ فيه هشاشته الواضحة من أجل التسلية.

ومن هذا الموضع تعود قراءة شخصية السيدة المجيبة على سؤال المعادلة، بأنها داخل إطار الفيلم يتساوى مشهدها تقريبًا من حيث الظهور مع صاحب المقلب السكير، ومنها يتساوى الاثنان معًا في تدبير الخدعة، السكير بقصد متعمد، وهي بغير قصد، لكنهما في النهاية ١+١=١ “السكير + السيدة” = خداع كبير، لكن دون اتفاق منهما، بل خداع كبير داخل الشخصية الرئيسية التي استغلها كل منهما ليثبت لنفسه شيء، ليثبت السكير لذاته أنه قادر على صنع الخدع، وتثبت السيدة بأنها توجهت إلى شخص مبروك سيضمن لها وصول ابنها يحيى بالسلامة. وفي النهاية الثلاثة يجتمعون في الوهم، وتصبح إجابة المعادلة هي “١” بالفعل.

العبث معنى يسبق الوسيط

ربما يستشعر البعض أن نهاية الفيلم مراوغة، بسبب مشاهدة البطل لفوج من النمل يحمل حشرة ميتة فيصرح لنفسه “أن هناك شخص سوف يموت اليوم” ثم ينتهي الفيلم بموته هو، وتكمن المراوغة في قراءة الأمر بأن الشخص أصبح بالفعل صاحب كرامات، أو ربما وجد ذاته ووصل لإجاباته داخل عالم المتصوفة، ولكن في الحقيقة مثلما يعود الفيلم إلى فضاء البار ليؤكد تلك الدائرة الدرامية والحياتية المفرغة، فهو يعود لنقطة البدء، والتصاق البطل بالموت من جديد، حتى وإن كان هو المتوفى هذه المرة، وحتى وإن كان هناك مراوغة لبركاته، تبقى اللاجدوى والحلقة المفرغة على كافة مستويات الفيلم من سيناريو ولغة بصرية هي الحقيقة الوحيدة المؤكدة وسط كل المفردات التي تحمل الشك بين ثنايا العمل. حتى لو تم الاتفاق على بركاته فيبقى كشفه عن الموت جاء عن طريق موت “حشرة” لا أثر قوي لموتها أو لحياتها. وكأن محاولات خلق أي معنى للموت “بصفته الحقيقة الوحيدة” هو معنى باهت لا معنى له. يكفي أن البطل “يحيى” ولم يحيى للنهاية.

ورغم أن الفيلم مأخوذ من قصة “المعجزة” لنجيب محفوظ إلا أن لغته السينمائية تتقاطع مع أسلوب مسرح العبث حيث التنقل بين حيوات الخداع واللامعنى والأخطاء، والموت في البداية، وتلك السيدة التي تدعم وهمه لتتخلص من لعنة موت أبنائها أيضًا، وانعكاس شعور اللامعنى في كل شيء رغم هم المعنى في كل تفاصيل الصورة، هو التماس ذاته مع أسلوب العبث المسرحي، الذي يصل بنا دائمًا في النهاية إلى دوائر مفرغة، وعبثية وجود، وعدم الوصول إلى أي تفسير مطلق أو خلاص نهائي لأبطاله.

مشاركة: