دراما رمضان اليوم ليست ساحة للسباق فقط، بقدر كونها اختبارًا حقيقيًا للصُناع، بين القدرة على التجديد، أو الحفاظ على مناطق الأمان المُكررة، ويسبق هذا وذاك مُنتجات فنية مُصغرة، منفصلة ومتصلة في الوقت ذاته بالمسلسل، تُنتج عنها صورة مبدئية تضعه داخل قوائم الانتظار، سواء كانت تنتمي للتجديد أو للتكرار، وبالتالي ينقسم المشاهدون أيضًا إلى من يحب المخاطرة ومتابعة ثيمات متجددة، والخروج مع الممثلين المفضلين إلى عوالم ربما لم يتوجهوا لها من قبل، في مقابل آخرين متشبثين بمتابعة ثيمات كل نجم رمضاني محفوظة.
ودون الإسهاب في التصنيف والتفضيل، سنتطرق للأمثلة مباشرة، هناك مسلسل “إفراج” لعمرو سعد المتوقع وجوده ضمن قائمة الأعلى مشاهدة، وذلك بفضل موعده على شاشة MBC مصر بعد برنامج المقالب الأشهر الذي اعتاد الغالبية متابعته أثناء الإفطار، إضافة لانتمائه لنوع دراما الانتقام، حيث يتناول قصة عباس المُفرج عنه من السجن بعد ١٥ عام، محملًا بنية الانتقام ممن قتلوا زوجته، وهي ثيمة طالما شاهدناها وعلى الأغلب نعرف تباعتها، لكن هذا لا ينفي احتمالية المُشاهدة العالية، خاصة للجمهور العام، وربما وجود عمرو سعد على مدار أعوام متتالية في إطار الدراما الشعبية التي تميل للإنتقام، كما قدمها في “سيد الناس، توبة” وما يشبهها في “ملوك الجدعنة”، حتى أصبح الأمر منطقة أمان لا مخاطرة فيه.
يندرج معه على مدار ٦ أعوام متتالية حمادة هلال في “المداح”، صاحب الجمهور الذي ينتظره من العام للعام، حيث دراما “الدجل والشعوذة” المُحببة لفئة معينة تحمل ثقافة هذا العالم، وربما يكن حمادة هلال هو الوحيد بين زملاؤه في هذا الموسم المحتفظ بفكرة الأجزاء، في مقابل انتهاء كثير من الأجزاء المُكررة لثيمتها المعهودة أمثلة (العتاولة، أشغال شقة، كامل العدد) وغيرهم، وذلك لإدراك الكثير من صناعهم أهمية التجديد، ولكن ذلك لا ينفي وجود صناع آخرين لم يتوجهوا للأجزاء، لكنهم لم يتخلوا أيضًا عن البناء ذاته وإعادة إنتاجه كل عام على هيئة عمل جديد.
يأتي بعد عمرو سعد مباشرة ياسمين عبدالعزيز بالحفاظ على وجود كريم فهمي كبطولة مشتركة كل عام، وعمرو محمود يس كمؤلف، وفي ٢٠٢٦ “وننسى اللي كان” بعد “وتقابل حبيب، ونحب تاني ليه” فضلًا على تكرار نفس شكل الأسم، ولكن الحفاظ على الثيمات المتشابهة، يضمن نجاح متوسط لجمهور لا يقبل المخاطرة في شهر رمضان.
وتحت هذه القائمة لا يمكن إغفال البطولات الشعبية ذات الذكر المُحمل بكثير من الجدعنة والانتقام والشجاعة، وتلك التوليفة التي لا يمكن أن يحيد عنها أحمد العوضي ويقدمها هذا العام في “علي كلاي” ولكن هذه التوليفة لا يمكن حصرها داخل إطار مسلسلات رمضان وحدها، بينما هي أصبحت جزء من كما نطلق عليها “البيرسونة” الخاصة بالنجم ذاته، وبالتالي لا يمكن توقع أي أداء جديد أو ثيمات جديدة على أي مستوى للممثل بعد طغيان منطقة أمانه التمثيلية على شخصيته التي يسوق بها أعماله، وكذلك “درش” لمصطفى شعبان، الذي يضيء في الدراما الشعبية بشدة إذا تجاور مع بطل آخر شديد الشعبية ودخول الخط الدرامي الخاص بالأصدقاء والجدعنة، بينما إذا قدمها بمفرده، فلايزال في منطقة أمان لكنها غير مُحققة للنجاح الشعبي القوي كما ورد في ملوك الجدعنة، وفي كل الأحوال بين هذا وذاك لا تجديد حقيقي، بقدر الاهتمام بتحقيق نسب مشاهدة قدر المُستطاع. ونختم القائمة بمسلسل “الكينج” لمحمد عادل إمام، الباحث عن ذاته كل عام سواء في الدراما أو السينما، دون وضع بصمته كممثل إلى الآن، بين محاولات إعادة إنتاج أعمال سينمائية تتماس مع اسم والده، وأعمال تلفزيونية على غرار الأكشن المُحاول لتثبيت قدمه بين نجوم الدراما الشعبية في رمضان، لكنه هدف غير مُتحقق حتى اليوم.
ربما نقع في حيرة حقيقية حول تصنيف مسلسل “الست موناليزا” لمي عمر، هذا العام داخل إطار التكرار، أم التجديد، لأنه يحمل الشقين معًا، حيث يظهر التكرار من برومو العمل من حيث قهر سيدة في بيئة زواجها، ومحاولات التخطي والنجاة، التي لا تختلف كثيرًا عن نعمة الأفوكاتو، وغيرها من أشكال رحلات الصعود والنجاة السابقة لها كما في “لؤلؤ”، ولكن التجديد يكمن في بطولتها تحت قيادة مخرج آخر غير محمد سامي، وهو المخرج محمد علي، الذي قدم العام الماضي “ظلم المصطبة” وله باع من الأعمال الجيدة بين السينما والدراما، تسمح بوجود ثقة في تغيير شكل أداء وتوجيه الممثلة، وربما في الحبكة التي ربما تتشابه مع ما سبقها، لكنها ربما أيضًا تتقاطع مع مناطق جديدة على غرار التغيير والخروج من عباءة تقليدية طالما تمسكت بها الممثلة.
يقع “كان ياما كان” في الحيرة نفسها عالقًا بين التكرار والتجديد، ثيمة البحث عن الحب الجديد واستعادة القصص المفقودة من الرومانسية، في حيوات أبطال في منتصف العمر، هي ثيمة يتشبث بها ماجد الكدواني بعد “موضوع عائلي” بأجزائه، وفيلمه الآخير “فيها إيه يعني” لكن منطقة الأمان والتجديد تأتي في التعاون مع شيرين دياب كمؤلفة خارج القالب، قدمت أشغال شقة بجزئيه، ومن قبلهما تحت الوصاية بأفكار وثيمات مختلفة عن بعضها تمامًا، ومنها في إنتظار دراما غير مُكررة.
وعلى ذكر محاولات الخروج من التكرار، وذكر إنتهاء أجزاء “كامل العدد” وبعد أن توجه شريف سلامة خارج الموسم بمسلسل اجتماعي عن المشاكل الأسرية “سينجل مازر فازر” يشترك في رمضان مع نيللي كريم، المحاولة على مدار مشوارها داخل دراما رمضان دائمًا للتجديد، حتى العام الماضي في بطولتها المشتركة في المسلسل ذات الطبيعة المختلفة في بنائه ودرامته “إخواتي” أن يقدما معًا هذا العام “على قد الحب” الذي يظهر من إعلانه التشويقي ثيمات متداخلة عن قصة حب معقدة، وإطار عائلي به أزمة نفسية للبطلة، وابنة في واقع سئ بين الأب والأم، دون تفسير واضح مما يحقق الغموض من البرمو، ويجعله ضمن قائمة الأعمال التي تسعى للتجديد.
ثم “فن الحرب” بعد غياب يوسف الشريف أعوام عديدة عن الدراما، بالاشتراك مع المؤلف عمرو سمير عاطف الذي سبق وتعاون مع الشريف في مسلسل “النهاية” عام ٢٠٢٠و”كفر دلهاب” ٢٠١٧، ولكن على الأرجح عن مسلسل هذا العام لم يعتمد على الغموض والإثارة بقدر الأكشن المحمل بدوافع الانتقام، التي لم تكن جديدة على السياق الرمضاني، لكنها تبقى في خانة التجديد للممثل البطل، وعودة بعد غياب سيحقق نسب من المشاهدة بالتأكيد.
مازال عصام عمر محاولًا دخول كل العوالم، مؤكدًا صفته كشاب يبدأ طريقه ويدرك أهمية التغيير والتنوع، ورغم عدم النجاح القوي العام الماضي لـ “نص الشعب اسمه محمد” قدم خارج الموسم “بطل العالم” الذي حقق نجاح بفضل ثيمته الشعبية مع التأكيد على ضعف البنية الدرامية والسيناريو بشدة، لكنه لقى رواج بفضل الدعايا واللون المختلف على البطل، ثم “عين سحرية” في دراما رمضان ٢٠٢٦، الشاب البسيط المتورط بسبب الأعباء المادية في تركيب كاميرات مراقبة بشكل سري، تحت ضغط “باسم سمرة” شيء يتقاطع مع ثيمات أفلام سينمائية شهيرة مثل “تيتو، كلاشنكوف” وهكذا، لذلك فهو لم يتم إدراجه لا تحت قائمة التجديد، أو التكرار، بقدر مسيرة تجريب حقيقية ومغامرة للبطل الشاب، المُدرك لأهمية التنوع، دون السعي المُطلق لتحقيق النجاح ونسب المشاهدة العالية.
وعلى غرار الشباب، يقدم أحمد مالك وهدى المفتي سوا سوا، بعد نجاح هدى العام الماضي ٨٠ باكو كشخصية شعبية للمرة الأولى، فلا يمكن حسم الأمر هذه المرة كتكرار بقدر محاولة لاستثمار النجاح بذكاء وخلطة مع “أحمد مالك” المُحقق للنجاح نفسه العام الماضي في “أولاد الشمس” الشاب المنتمي لبيئة شعبية لكنه مهزوم وباحث عن الأمان، ليكون الثنائي هذا العام خلطة من الضعف والحب والبيئة الشعبية التي تبشر باستثمار ونضوج، يتقاطعان فيه مع “سلمى أبو ضيف” التي خاضت تجربة الفتاة الشعبية منذ عامين في “أعلى نسبة مشاهدة” وحققت نجاحًا لافتًا لتطور أدائها، ويظهر ذلك مجددًا في الإعلان التشويقي لـ “عرض وطلب” فتاة تنتمي لنفس البيئة، لكن أزماتها وبناء شخصيتها مختلف، حيث محاولات إنقاذ عائلتها المستمرة وبخاصة والدتها بالبحث عن متبرع بالكلى، تلك الأطروحة التي قدمتها دينا الشربيني خارج الموسم في “لا ترد ولا تستبدل” وبالتالي فسلمى تتنقل بين عوالم وبيئات وأطروحات تغامر بشدة بمناطق أمانها لتبشر باختيارات جيدة تستحق النظر إليها.
وعلى ذكر دينا الشربيني، سنراها هذا الموسم في مسلسل “اتنين غيرنا” مع آسر يس، الواضح تناوله قصة حب من زاوية تستثمر نجاح “قلبي ومفتاحه” لآسر العام الماضي، وتجدد من اختيارات دينا كعادتها، فالمسلسل مكون من ١٥ حلقة فقط، ويظهر بالبرومو كثير من التفاصيل بين قصة هروب فتاة، وعزلة شاب، ودخولها عائلة جديدة، وتحقيق حلم الشهرة والتمثيل، وقصة حب متشابكة، وأزمات وانفصال، تفاصيل عدة، تضمن إيقاع مشدود وتفاصيل لكل شخصية يصاحبها إنتظار أداء تمثيلي على نفس خطى التطور الدرامي.
و”مناعة” بطولة هند صبري صاحب الـ15 حلقة أيضًا المُنتظر بشدة لقطاع كبير من الجمهور متشوق لرؤية هند في دراما رمضان بعد غياب كبير، وثقة واضحة في اختياراتها المتجددة، التي تتطرق هذا العام لعالم المخدرات، يحمل المسلسل جزء تشويقي من حيث أداء الممثلة واختيار بيئة الأحداث، في الوقت الذي يحمل مخاطرة بوضوح نهايتها “العقاب” لذلك فهو يعتمد كليًا في بنائه على إيقاعه وتطور أحداثه، حيث النهايات المعروفة قبل المشاهدة تتطلب جهد أكبر من قِبل صناعها لجذب المتفرج للأحداث، إضافة لاستهدافه زمن قديم ليس معاصر، وكأنه ينفي وجود هذه العوالم حاليًا، وتقع درامته تحت وطأة التركيز على تفاصيل زمن آخر بكل ما يحمله من تفاصيل..
ولكن التجديد الحقيقي الواضح يظهر بشدة عند ريهام عبدالغفور في “حكاية نرجس” التي لا يمكن وضعها في قالب نهائي بين شخصيات وعوالم على مدار سنوات لا يمكن حصرها، وثمة اختيار نسوي صريح لأمرأة تقع تحت ضغط مجتمعي نتيجة عدم الإنجاب، وأزمات نفسية واضحة من البرومو، تدفعها لتكوين أسرة وهمية عن طريق “خطف الأطفال” ربما يحمل العمل نهاية متوقعة مثل مناعة، لكنه ليس جزاء عقابي بقدر تصنيفه كتدرج درامي لأزمة نفسية ومجتمعية بالتأكيد تحمل التطور والإيقاع المشدود.
وأخيرًا في هذه القائمة لمسلسلات الـ15 حلقة، وإياد نصار ومنة شلبي في “صحاب الأرض” كدراما عن واقع حرب غزة، في تشابك وصدام واضح مع القضية الفلسطينية، لكنها على الأغلب لم تخضع كليًا للشعارات الخاصة بأهداف التحرر ووقف الحرب، بقدر انتمائها لدراما حياتية لقصص متقاطعة بين مفاهيم البقاء والحب والصمود والأمل والإنسانية، يتخللها قصة حب واضحة، في واقع درامي مرير، وجميعها عناصر جذب وتشويق تُبشر بدراما هامة في الإنتظار.
بالتأكيد لا يسعنا أبدًا رصد كافة الأعمال المطروحة لرمضان، لكنها محاولة فعلية منا على تقديم توقعات، نختمها بفرص مُقدمة لشباب صاعد، بين استثمار نجاح لمصطفى غريب بعد سطوعه في “أشغال شقة”، لدراما مشتركة كوميدية في ظل غياب أكرم حسني، وهشام ماجد، وتعاونه مع “دياب” القادم من شخصيات الشر في الأعوام السابقة، لتقديم ثنائي كوميدي في مسلسل “هي كيميا”، وقصة تخبط لشاب بسيط في “بيبو” كأول بطولة ل”كسبرة” كشاب فاقد لأسرته أو ربما يحاول الانتماء بشكل ما، وفي النهاية قدوم شاب من “السوشيال ميديا” يقدم على غرار نجاح أحمد غزي العام الماضي “قهوة المحطة”، هذا العام “فخر الدلتا” لأحمد رمزي، ولكن بعيد كل البعد عن المأساة والدراما الجادة، بالاحتفاظ بالحس الكوميدي المتعاد من سابقة أعماله في مقاطع مواقع التواصل، رحلة شاب من الدلتا يحاول تحقيق حلم التمثيل، تأليف “عبدالرحمن جاويش” الذي قدم مسلسل “النص” بجزئيه بين العام الماضي والحالي، وفيلمه الكوميدي الأخير “السادة الأفاضل” وعمله في فريق كتابة البرنامج الشهير “الدحيح” وفريق كتابة مسلسل “الصفارة” يضمن وجود حس كوميدي قوي، بالاشتراك مع إنتصار، ومحمد محمود، وأحمد عصام السيد، وغيرهم من الممثلين أصحاب الوجود المطمئن بشدة في تحقيق كوميديا خالصة يتطلبها الموسم بشدة.
في النهاية، وبعد هذا الرصد ومحاولات التوقع وتصنيف الأعمال بين التكرار والتجديد، يتضح أن الموسم الرمضاني يبدو معنيًا بتحقيق توازن محسوب بين المغامرة وإدارة المخاطرة. فلا يمكن أن يخاطر الجميع، كما لم يستسلم الشباب بالكامل لقوالب التكرار. ومع ذلك، لا يمكن إصدار حكم قاطع على أعمال لم يظهر منها سوى مقاطع دعائية صيغت بالأساس لإثارة التشويق. نحن ما زلنا أمام موسم لم يُختبر بعد، وتجربة مشاهدة قادرة على إعادة ترتيب التوقعات. ولنا كامل الحق في إطلاق هذه التوقعات الآن، كما لنا كامل الحق في مراجعتها وتعديلها إذا ما فرضت الأعمال نفسها بشكل مغاير.

ناقدة فنية