التكيُّف الهيدوني “Hedonic Adaptation” هو مفهوم محوري في علم النفس الاجتماعي وعلم الاقتصاد السلوكي، وهو نظرية تفسّر ميل الإنسان الفطري إلى العودة نفسيًا وعقليًا إلى مستوى ثابت من “الرضا”، متجاوزًا بذلك ذروة أي حدث، سواء أكان سلبيًا أم إيجابيًا. في الأوضاع المزرية واللحظات القاتمة، تتبلور أهمية هذا التكيّف في صورة آلية دفاعية: إذ يميل العقل إلى الحنين والاشتياق إلى “الوضع الأقل سوءًا” في محاولة لتخفيف العبء النفسي لليأس. هذا التراجع في سقف التوقعات يصبح في حدّ ذاته شكلاً من أشكال البقاء.
في فيلم «كان يا ما كان في غزة»، يصطحبنا الأخوان ناصر في رحلة داخل غزة، تحديدًا في فترةٍ ما قبل إبادة أكتوبر 2023. نحن، بوصفنا متلقّين مُشبَعين بمشاهد القتلى والبيوت المهدّمة، من السهل أن نقع في فخّ التكيّف الهيدوني الجمعي؛ فبمجرد رؤية غزة “المعمَّرة” على الشاشة – تلك التي وصفها الأخوان بـ”الريفيرا” – نشعر بالحنين والتحسّر الشديدين، وكأنها جنّة مفقودة. لكن سرعان ما ينتشلنا الفيلم من هذا الفخ، مذكّرًا إيانا بأن هذه غزة، وبالأخص في عام 2007، لم تكن جنّة، ولم يكن أهلها في حال أفضل. لقد كانوا فقط أحياء. وهنا يكمن جوهر المأساة: أن “الحياة” نفسها، بالحدّ الأدنى من السوء، أصبحت هي الغاية القصوى والوضع المُشتهى.
للقضية وجوه أخرى
فيلم «كان يا ما كان في غزة»، الذي حصد جائزة أفضل إخراج في مسابقة “نظرة ما” بمهرجان كان السينمائي، ويشارك حاليًا ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته الـ46، يقدم لنا لوحة مركّبة عن غزة عام 2007. يركّز الفيلم على التشابك المصيري لثلاثة أفراد: إسماعيل تاجر المخدرات (مجد عيد)، وصديقه الجامعي يحيى (نادر عبد الحي)، والضابط الفاسد في مكافحة المخدرات أبو سامي (رمزي مقدسي). وفي خلفية هذه المصائر الفردية، تسير الحياة اليومية تحت بطش الاحتلال في القطاع، شاهدة وصامتة.
وكعادة الأخوين ناصر، تكمن قوة بلاغة أفلامهما في تناول قصص المواطنين العاديين بكل مشكلاتهم اليومية وأقصى نقاط ضعفهم كبشر. فالقوة ليست في عرض فظاعة جرائم الاحتلال، الموثّقة والمُشبَعة في الوعي الجمعي، بل في إظهار عمق التشويه الإنساني الذي تُسبّبه هذه الجرائم. السينما هنا لا تحتاج إلى عرض قتل مباشر لتثير الوعي؛ يكفيها أن تروي قصة بسيطة؛ مثل قصة عجوزين يقعان في الحب كما في فيلمهما السابق «غزة مونامور»، الذي حصد جائزة أفضل فيلم عربي في مهرجان القاهرة السينمائي في دورته الـ42، أو ثلاثة شباب يحاولون التكيّف مع أزمات مجتمعهم، بالإضافة إلى أزمات الهوية التي تُصيب الشباب في هذا العمر، لنرى بوضوح ما فعله الاحتلال بهذا الشعب الذي يعاني ويظل يقاوم. يعرض لنا الفيلم في ربعه الأول خريطة سريعة لهذه الشخصيات (التاجر الشريف، المواطن الجبان، الشرطي الفاسد)، لكن سرعان ما تنقلب هذه التصنيفات البدائية، وتظهر أبعاد إنسانية جديدة ومعقّدة.
وعلى الرغم من واقعية السرد، فإن الفيلم يرتكز على إطار فلسفي قديم. فالهيدونية، المشتقّة من اليونانية وتعني اللذة والسرور، هي أساس الفلسفة التي تسعى إلى تعظيم المتعة وتجنّب الألم بكل الطرق. وعلى ذكر الفلسفة الإغريقية، فإن المأساة (التراجيديا) الكلاسيكية تُبنى على مراحل متتابعة: الكبرياء، ثم الاستكشاف، ثم التطهير. وفي براعة فنية لافتة، يتحد الأبطال الثلاثة (يحيى، إسماعيل، وأبو سامي) ليُشكّلوا صورة مركّبة لبطل إغريقي واحد يمر بهذه المسيرة المأساوية، ليكتمل التطهير في حكايات غزة.
ثلاثة أوجه لبطل اغريقي واحد في حكايات غزة
تتجسد المراحل الكلاسيكية للمأساة الإغريقية في الشخصيات الثلاث، حيث يُعد كل منهم وجهًا من أوجه البطل الأوحد الذي يُصارع قدره. يمثل أبو سامي الجانب المتغطرس الذي يرتكبه البطل في المأساة التقليدية، وكذلك القوة الفاسدة والعمياء. فأبو سامي ليس مجرد تاجر مخدرات متخفٍّ – رغم كونه جزءًا من الجهة المسؤولة عن مكافحتها – بل هو أيضًا خائن للجماعة، إذ يحاول تجنيد إسماعيل في الأمرين معًا: تجارة المخدرات والوشاية على البقية. وبهذا التناقض المدمّر، يصبح أبو سامي وجهًا آخر للاحتلال يُمارس بطشًا داخليًا، مستفيدًا من الحصار لتحقيق مصالحه الشخصية. بعد أن يقتل إسماعيل وينجح في إخفاء أوراق القضية، نراه في خلوته بالمرحاض وكأنه يمرّ بلحظة مراجعة ذاتية بسيطة لخطاياه. لكن هذه اللحظة العابرة لا تصمد أمام غطرسته؛ فسرعان ما يعود إلى كبريائه ويرتدي بذلته الشرطية، مصمّمًا على المضي قدمًا في خططه، مؤكّدًا سطوة الكبرياء على روحه.
أما إسماعيل، فهو الشخصية التي تُجسّد مرحلة الاستكشاف والإدراك المأساوي للحقيقة. إسماعيل نفسه شخصية مركبة: تاجر مخدرات، لكنه شريف ويرفض الخيانة؛ ضخم البنية لكنه رقيق يستمع إلى نوال الزغبي ويتراقص معها كطفل لا يخشى شيئًا ولا يحمل همًّا. وفي لحظاته الأخيرة، وتحديدًا في نظرة الوداع الأخيرة للعالم، يكتشف إسماعيل حقيقة مخزية: يكتشف أن صديقه الذي اعترف له قبل دقائق بأنه “مفضّله” والذي يمكنه الاعتماد عليه، قد جبن واختبأ ولم يشرع في الدفاع عنه. نظرته الأخيرة لا تختلف كثيرًا عن نظرة يوليوس قيصر المخذولة حين قال: “حتى أنت يا بروتس؟” في تلك اللحظة يكتمل إدراك إسماعيل: لقد مات شجاعًا ومتمسكًا بمبادئه، حتى وإن كانت هذه المبادئ مثقوبة بعطبٍ ما.
وأخيرًا يحيى، وهو وجه التطهير للبطل الأوحد. يمثل يحيى الشاب المكتئب الذي يحمل ذنب عدم الدفاع عن صديقه إسماعيل. وحينما يبدأ رحلته مع التمثيل بالصدفة، يؤدّي دور البطل الشجاع المقاوم الذي قد يضحي بحياته في سبيل قضيته. لكن طباعه المتردّدة تتغلّب على أدائه، فيظهر في أكثر المشاهد درامية بصوت مهزوز ولغة جسد غير مقنعة. وبمجرد أن يتقن يحيى التمثيل، أو بلغة السينما “يلبس الشخصية”، يتحرّر من جبنه ويثأر لنفسه أولًا عن تراجعه السابق، وثانيًا لصديقه من أبو سامي. ثم، وبصدفة تشبه حتمية القدر في الأساطير الإغريقية، يلقى يحيى حتفه أثناء تصوير المشاهد، ليُشيَّع جثمانه بالطريقة ذاتها التي تُشيَّع بها جثامين الأبطال والشهداء من المقاومة.
هكذا اتحد الأبطال الثلاثة في صورة بطلٍ إغريقي واحد يمرّ بالمراحل المأساوية ذاتها حتى يصل إلى النهاية المحتومة: التطهير. لكن يبقى السؤال: هل اكتمل هذا التطهير لدى المتلقي الذي لا يزال يشاهد المأساة تتجدّد في أرض الواقع؟
وللحكاية بقية…
إن الغرض الأساسي من المأساة التراجيدية بالنسبة إلى المتلقي هو الوصول إلى التطهير، وهي عملية تنقية لمشاعر الجمهور عبر التوحّد مع البطل؛ فمع انحلال عقدته، تنحلّ بالتبعية عقدة المتلقي، مما يمنحه راحة نفسية. لكن فيلم «كان يا ما كان في غزة» لا يقدّم هذا النوع من التطهير السهل، بل يقدّم ما يمكن تسميته «التطهير المؤجَّل». وهذا التطهير لا يحرّر المتلقي، بل يحمّله عبء ما رآه ومسؤولية ما أدركه، ويدفعه إلى التفكير بأنه، هو شخصيًا، معنيّ بالمشاركة في حلّ هذه المأساة المستمرة.
فقد نجح الفيلم في إثارة هذه المشاعر القوية ببراعة؛ حينما قُبض على إسماعيل وحُبس في زنزانة ضيّقة، لم يكن إسماعيل وحده هو المحبوس، بل كان يمثّل شعب غزة بأكمله: مليوني إنسان فُرض عليهم الحصار منذ عام 2007 بلا كهرباء ولا ماء ولا مواد غذائية. هذا الكبت والضغط من الطبيعي أن ينشئ بيئة خصبة لتجارة المخدرات، ولا سيما المسكّنات التي كان يتاجر بها إسماعيل. فهذا الشعب يحتاج كمًا هائلًا من جرعات التسكين ليتكيّف مع هذا الواقع المأساوي المستمر. إن إبادة سكان غزة، كما يهمس الفيلم، لم تبدأ بالتأكيد في أكتوبر 2023؛ بل ظلت تُمارس على هذا الشعب منذ مدة طويلة، ولكن بأساليب مختلفة ومنهجيّة.
وفي نهاية المطاف، ينجح الأخوان ناصر في تفكيك قصة البطل الأوحد عبر وجوهه الثلاثة؛ غطرسة الخائن (أبو سامي)، وإدراك الشجاع المخذول (إسماعيل)، وتطهير الضحية الشاهدة (يحيى)، ليؤكدا أن التراجيديا الحقيقية تكمن في صمود الحياة رغم كل محاولات إطفائها. وأن حكايات غزة، القديمة والحديثة، والتي ستُروى في المستقبل حتى تزول غمّة الاحتلال عنها، ستظل تُروى مثل التراجيديات الإغريقية؛ لعلّه يأتي يوم تنتهي فيه المأساة ويتحرر البطل.
ناقدة سينمائية