أقيمت يوم أمس، ضمن فعاليات مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، محاضرة استضافت المخرج التركي المتميّز نوري بيلجي جيلان، رئيس لجنة تحكيم المسابقة الدولية في دورة هذا العام، تحت عنوان: “رحلة في عوالم نوري بيلجي جيلان”.
أدار الندوة الناقد السينمائي ورئيس الاتحاد الدولي لنقاد السينما (فيبريسي)، أحمد شوقي، الذي استهلّ الحوار بنبذة عن أسلوب أفلام بيلجي جيلان، وقال شوقي إنه يتميّز بعنصرين أساسيين: الأول: الصورة المميّزة لمشاهده، وذلك لعمل بيلجي حتى الآن في مجال التصوير الفوتوغرافي.
والثاني: الاقتباسات الأدبية وتأثير الأدب بمختلف توجهاته ونشأته في محتوى الفيلم ومضمونه، وخاصة الأديبين الروسيين فيودور دوستويفسكي وأنطون تشيخوف. تعقيبًا على ملاحظة شوقي، صرّح بيلجي جيلان: “انجذبتُ إلى عالم الفوتوغرافيا منذ حداثة عهدي، بالكاد كنت أبلغ الخامسة عشرة حين استهواني التصوير؛ إذ كانت الهواية الوحيدة التي ناسبت ميولي غير الاجتماعية آنذاك، وحقيقةُ الأمر أنني كنت وحيدًا. هكذا ناسبتني الفكرة تمامًا، فالتصوير لا يحتاج إلى مشاركة أحد؛ إنه فعل يمكنني أن أؤديه وحدي كما فرضت عليّ ظروفي. في حين بدت السينما فكرة مستبعدة تمامًا، لأنها بالطبع هواية لا تُمارَس في الوحدة، وتتطلّب شراكة الآخرين. وفي عمر متقدّم بعد عشر سنوات مثلًا، خطرت لي فكرة ناقضت إيماني القديم، وهي أنني أستطيع أن أكون صانع أفلام دون الاحتياج إلى من يساعدني؛ يمكنني أن أكون المخرج والمصوّر في آن واحد. لم تكن كاميرات التصوير حينها حديثة كما هي الآن، لكني اعتمدت على نفسي بالفعل، وصوّرت وأخرجت أفلامي القصيرة الأولى وحدي تمامًا”.
يضيف: “اعتدت زيارة عائلتي التي كانت تعيش في الريف في تلك الفترة، وتصوير كل شيء في الطبيعة من حولي. بعد فترة عاد عقلي يعمل بكفاءة، وأدركت أنني لا أستطيع التحكّم في المشهد كما أريد كمخرج إذا كنت أعمل في الوقت نفسه مصوّرًا، حيث يكون ذهني منصبًّا على الاهتمام بالصورة والزاوية المناسبة، والسير بحذر حتى لا تهتزّ الكاميرا، وكل هذه التحديات تجعلني عاجزًا تقريبًا عن الإخراج. هكذا بدأتُ الاستعانة بمصوّرين؛ صرنا فردين، ثم خمسة في الفيلم التالي، ثم تعدّدت المهام وصرت أستعين بأفراد لكل مهنة، وأتفرّغ لدوري كمخرج. أحبّ الآن أن أركّز على التمثيل في الغالب، فقد صرت واثقًا من أن محاولتي للتحكّم في التصوير نفسه بالعمل مصوّرًا لم تكن أكثر من مجرّد رغبة سخيفة في تحقيق الكمال”.
“تستهويني القصص المعقّدة”
استكمالا لحديثه والقبض على خيوط أعمال “بيلجي جيلان” كمتابع جيّد، سأل “شوقي” إن كان يرى أنه قد تطوّر على نحو شخصي، أو تطوّرت مواهبه طوال تلك الفترة منذ كان يعمل منفردًا ويتعامل مع ممثلين غير محترفين، بعضهم من عائلته، ووصولًا لكونه قد أصبح الآن المخرج الشهير صاحب الأفلام الأيقونية الذي صارت كل مراحل إنتاج أفلامه احترافية كما تقتضي المهنة.
وعن هذا أجاب “بيلجي” أنه قد تطوّر دون شكّ، فقد صار أقدر على إدارة إنتاج أفلامه، وتحديد الميزانية المطلوبة للتصوير وحتى نهاية آخر مراحل الفيلم: “هذا أمر تعلمته بالطريقة الصعبة، فإن دخلت إلى موقع التصوير بآمال وأحلام دون أن تكتب بدقة مسبقة عن الميزانية المتوقعة فأنت رجل أحمق! أما ما أظنه ما زال لم يتغيّر في، هو رغبتي في كتابة السيناريوهات والقصص المعقّدة، هذا ما أحبّه وأفضّله ولا أستطيع منع نفسي عن اختيارها كل مرّة حين أبدأ بالكتابة!”
مجددًا يلتقط “شوقي” آخر خيوط الحديث فيضفرها في استفسار جديد، ويسأل “بيلجي جيلان” عن التحديات التي تواجهه في حكي القصص المعقدة واختيارها بحسب قوله، وذلك بالنظر لأفلامه الثلاثة الأخيرة، بداية من فيلم “3 Monkeys” مثلا. يضيف شوقي أن القصص النفسية المعقدة التجريدية هي تحدي يخشاه أغلب مخرجي هذا الزمان، لكن ليس “نوري بيلجي جيلان”.
فيجيب “بيلجي جيلان” عن أن مواضيع أفلامه هي تحدياته الشخصية: “هي أسئلتي أنا الوجودية التي أطرحها في الفضاء والتي أجهل إجاباتها، بل إنني لا أنكر أنني أسعى في أفلامي نحو إيجاد الإجابات، لكني أقسم أنني لا أعرفها. حاولت ولكني حتى الآن لم أجد إجابات واضحة. أعتقد أن هذا ما يحفزني دائمًا لإنتاج مشاريع أخرى وأفلام أخري، فأنا لا أبحث عن القصص، بل عن الأسئلة، لا تستهويني القصة ومحتواها بقدر ما أهتمّ بالأسئلة التي تطرحها القصة وكيف تحفز عقلك على التفاعل مع القصة نفسها”.
يسأله المحاور فيما بعد عن الإلهام وعن الإشارات التي تأتيه فيعرف أن قصة جديدة على وشك أن تراوده وسيناريو جديد مستعد لأن يبدأه. يجيب “جيلان” بأن هذا سؤال في منتهى الصعوبة لأنه لا يعرف له إجابة واضحة: “إنني أواجه نفس العُقدة كلّ مرة بعد انتهائي من كل فيلم أخرجته، أجدني جالسًا في انتظار ما تسمّيه الإلهام، لكنه لا يأتي، بل إنه قد يتأخر لعام كامل، فأظن أنني انتهيت بالفعل وأنني قلت كل ما أردت قوله ولم يعد لدي جديدًا أقدمه أو يشغلني لأحكي عنه. ثم ألاحظ تفصيلة ما صغيرة حتى أثناء سيري في الشارع، فتظهر الفكرة بعدها في رأسي. غير أن المرحلة الأصعب تبدأ بعدها لاضطراري لدفع نفسي للجلوس والكتابة. لست واحدًا من هؤلاء المشحونون بالكتابة، الذين لا يستطيعون العيش دونها وهي جزء من روتينهم اليومي، بل إنني أدفع نفسي دفعًا إليها، فكتابة السيناريو هي أصعب مهمة في مرحلة الإعداد للفيلم. يراودني صوت كل يوم يخبرني بأن أتوقف عن الكتابة لكني أقاومه. في الواقع وفي غالبية الأحوال، زوجتي هي من تقاوم هذا الصوت وتحفّزني على الكتابة. بل إنني أعلم أن شجاراتنا اليومية ستنتهي فور أن تنتهي مرحلة كتابة السيناريو فهي الوحيدة التي تملك الحقّ في الاعتراض على ما أكتبه، لأنها الوحيدة أيضًا القادرة على إقناعي بالتفكير فيه أو تغييره!”.

الممثلين بين الهواية والاحتراف
يسأله شوقي إن كان يستطيع إدراك أي فروق حقيقية وجوهرية بين تجربة العمل مع أفراد عائلته – الممثلين الهواة بالطبع – في أفلامه الأولى، وعمله فيما بعد مع الممثلين الاحترافيين.
فيردّ بيلجي جيلان: “أحببتُ التجربتين، لكني صرتُ مؤخرًا أفضل العمل مع المحترفين، لأنهم يستطيعون التلوّن مع كل شخصية جديدة أكتبها؛ يستطيعون أن يصبحوا الشخصية ذاتها، بينما يحتاج الهواة إلى كثير من التوجيه ليتحدثوا بنبرة مختلفة مثلًا، أو ليؤدّوا دورًا مناقضًا لشخصياتهم الحقيقية. ناهيك عن أن الممثلين المحترفين قادرون على حفظ أدوارهم وجُمل الحوار بشكل أفضل، ما يسهّل عليّ ويُسرّع من تصوير المشاهد، ولا يضطرّني إلى تقطيعها لمجرّد أن الممثل قد نسيَ جملته الحوارية، فأضطر إلى استخدام الجزء الأول لأنه قد أدّاه بشكل ممتاز، ثم أصوّر بقية المشهد من زاوية أخرى حتى لا يظهر التقطيع في المونتاج بشكل رديء.”
يتطرّق “أحمد شوقي” فيما بعد لتجربة “نوري بيلجي جيلان” في التمثيل في فيلمه “Climates”، ويخبره أنه عرف من حواراته السابقة أن التجربة لم تكن ممتعة.
فيجيب “بيلجي جيلان”: “لم أحبّ التمثيل أبدًا، ولم أستمتع بالتجربة. أنا بطبعي شخص خجول جدًا، وبالتالي لا أصلح على الإطلاق كممثل. لكني خضت التجربة لأنني أردت ببساطة أن أجرّب، كانت لي حاجة فيها وأردت التأكد من مشاعري ومن أشياء أخرى أثناء التصوير، فأقدمت عليها، وقد تعلّمت الكثير عن فنّ التمثيل نفسه بمعزل عن منظور المخرج للممثل الذي علمته وتصرّفت على أساسه فيما مضى”.
يتساءل “شوقي” عن سرّ الوجوه المميّزة في أفلام “بيلجي جيلان”، ويقول أنها دائمًا وجوه ذات معنى، تعطي لمحة عن شخصيتها بمجرّد النظر إليها، ويسأله إن كانت له إجراءات معيّنة أثناء تسكين الأدوار واختبارات الأداء تُنتج هذه اللمحة الواضحة المكررة في أفلامه.
يجيب “جيلان” أن الوجوه التي يختارها بالطبع كلها تحمل معنى، لكنه معنى في عقله لا يستطيع تفسيره، شيئًا يربطهم لا يمكنه تحديده، وإنما هي عينه ورؤيته: “إنني أحيانًا حين أكتب الشخصية، أضع لها وجها متخيّلًا في ذاكرتي ناويًا البحث عنه بين المتقدمين لاختبارات الأداء، لكني أصادف حينها وجهًا أراه مميزًا وأقرب للشخصية حتى من صورتي المتخيّلة فألغيها وأختاره. أصوّر العديد من الوجوه للأولاد والفتيات، للرجال والنساء من المتقدمين، ثم أعمل عليهم أيامًا لأتأكد أيهم سيكون مناسبًا للعمل مع أيهن”.
عنصر الحوار وتطوّره في أفلام “بيلجي جييلان”
يحكي “شوقي” عن شعور خاص يراوده أثناء مشاهدة أفلام “نوري بيلجي جيلان”، وهو أنه يشعر أن “بيلجي” يقف خلف الكاميرا مانحًا كل الوقت والفُرصة للمثل والممثلة لأداء ما تيسّر لهما من المشهد ومن الانفعالات، ثم يرحلا عن الصورة فتقف الصورة ثابتة بعد رحيلهما كما لو أن “بيلجي” قد ترك كاميرته تعمل لتسجّل لحظة انتظار معجزة ربما تغيّر من الأحداث شيئًا، وهكذا يسأله إن كان يعرف في كل مرّة كيف أو متى سينتهي المشهد أو عليه هو أن يعلن إنتهاؤه؟
يجيب”بيلجي” ضاحكًا: “أبدًا! طالما أتى الممثل حافظًا للحوار فأنا جاهز لتصويره حتى النهاية. أتذكر أنني في الفيلم الأخير كان لدي 21 صفحة من الحوار، قسمتهم على ثلاثة أيام بواقع سبع صفحات لكل يوم للتسهيل على الممثل. لكن الممثل جاء حافظًا للحوار كلّه هكذا صوّرت الحوار كاملًا دون تقطيع، وهو ما أضطر إليه أحيانًا.”
يعيد “شوقي” الحديث من حيث انتهى، فيعود إلى عنصر “الحوار” الذي يرى أنه قد صار أهم ما يميّز أعمال “بيلجي جيلان” الأخيرة، وأنه أصبح أداته الأثيرة مؤخرًا كما يتّضح بالمقارنة مع أعماله الأولى.
يجيب “جيلان” بأن ملاحظته في محلّها تمامًا، وأن عنصر الحوار قد صار أهم وأطول في أفلامه الحديثة: “لكنّي لا أظنها مسألة تفضيل، فأنا أحب الأفلام العادية وتلك التي يغلب عليها الحوار سواء بسواء، لكني أفضّل الحوار إن كان جيدًا حقًا ومميّزًا. فيما مضى كنت أخاف من عنصر الحوار جدًا، لأنه قد يودي بالفيلم الناجح لهذا لم أجرّبه على نحو واضح أو متزايد أو غالب على المشاهد، خاصة وقد اسعتنت في بداية أعمالي بالممثلين الهواة، غير القادرين بالطبع على حفظ أو أداء مثل هذه الحوارات المطوّلة. هكذا عندما بدأت العمل مع المحترفين، اردت تحدّي نفسي بإضافة صفحات الحوار الطويلة إلى السيناريو.”
ثم يسأله شوقي بالرجوع إلى فيلمه “Climates”، عن حقيقة أن أفلامه دائمًا مرتبطة بالمناخ الذي يحيط بأبطالها، بالجو من حولهم، والفصول المتعاقبة عليهم، ويسأله إن كانت ملاحظته دقيقة وإن كان يؤمن فعلًا إن كانت طباع الناس تتغيّر تبعًا للمناخ والفصول؟
يؤكد “بيلجي جيلان” على ملاحظة شوقي قائلًا: “بالطبع! لأنني أنا نفسي أتأثر بالمناخ من حولي وبالفصول، وهذا بالتالي ينطبع على أبطالي، كما أن الحديث عن الطقس دائمًا ما يذكّرني بطفولتي. أما عن طباع الناس، فهي تتغيّر تبعًا للعديد من العوامل واستجاباتهم للفصول مختلفة، وبالتالي لا يمكننا أن نؤمّن على تصرّف معين ونرجعه لخلفية الطقس.
الوجه الذي يظهر عندما ينسحق الإنسان.
فيما بعد يخبره “شوقي” عن عكوفه على مشاهدة أفلامه في الأسبوعين الماضيين استعدادًا للمحاضرة، وأنه قد لاحظ استخدامه دائمًا لحدث “التعرّض للإذلال” كموجه ومحفّز وعنصر أساسي في تطور الأحداث وشخصيات الأبطال وتصرفاتهم أو دوافعهم.
يؤكد “بيلجي جيلان” على النظرية: “نظريتك صحيحة تمامًا. أنا شخصيًا أكره فكرة التعرّض للإذلال، بل أخاف من فرضية حدوثها، ربما هي صدمتي النفسية التي ترافقني دائمًا، هكذا أضع الشخصيات في اختبارات التعرّض للإذلال، لنرى الوجه الآخر منهم، الوجه الذي يظهر عندما ينسحق الإنسان. كلنا نحاول أن نكتسب احترام الآخرين، أن نعامل باحترام. لكن هذا أمر لا يمكنك دائمًا السيطرة عليه. هكذا ستجد نفسك في مواجهة نصفك الآخر، أو وجهه المخفي الذي ربما لم تكن تعرف بوجوده حتى تعرّضت للإذلال. يمكنك أن تجد هذا بصور مختلفة في أبطال “دوتويفسكي”، يمكنك أن تجده في المجتمع في كافة طوائفه، أو على السوشيال ميديا بأغراض مختلفة. هكذا تتغيّر حياة الإنسان بعد تعرضه لهذه التجربة القاسية.”
يؤكد شوقي على حديث “بيلجي” بتفصيلة مهمّة في أفلامه، وهي أن التجربة الاجتماعية غالبا ما تتحقق في أفلامه في المجتمعات الصغيرة، أو ذات التجربة الاجتماعية محدودة العدد، في القرى، في الجبال. تلك المجتمعات التي لها قواعد محددة وتقاليد معيّنة.
يوضّح “بيلجي جيلان”: “في الواقع أعتقد أن العالم نفسه قد أصبح قرية أو مجتمع صغير بعد تطوّر وسائل التواصل الاجتماعي وتعددها. لكن ملاحظتك أيضًا ومجددًا في محلها. أتذكر نشأتي في مجتمع محدود، وأتذكر كم كانت تعاليمه وقواعده مزعجة وقاسية. هذا لأنه كان منغلقًا على ذاه، أما الآن وأكرر بوجود وسائل التواصل الاجتماعي فقد تغيّر كل شيء، حتى أنني حين أعود لزيارة مسقط رأسي، لا أجدها هناك! ليست هي نفس المدينة القاسية المنعزلة قطعًا!”

الأدب وأثره على أسلوبه السينمائي
يعيد “شوقي الحوار إلى “ديستويفسكي” و “تشيخوف”، ويسأله عن حبّه للأدب، وإن لم يعتد اقتباس أفلامه عن أعمال أدبية أو روائية، لكنه يرى في أفلام “بيلجي” دائمًا ما يشعر أنه لمحات من قراءاته الأدبية وخاصة للأدباء الروسيين.
يضحك “بيلجي” ويؤكد على ملاحظته، قائلًا أنه قرأ “الجريمة والعقاب” مئات المرات، وكانت مرّته الأولى وهو بعمر التاسعة عشر فقط، لكنه يندهش أنه يجد نفسه يتأثر في كلّ مرّة بنفس المشاهد ونفس التفاصيل وتستوقفه جماليات متشابهة كلما شرع في قراءتها بعد سنوات وسنوات من آخر قراءة. “أتذكر أنني انجذبت بالمشهد الذي قرر فيه بطل “الجريمة والعقاب” تنفيذ جريمة السرقة في اللحظة التي نظر فيها إلى الميدان مفكّرًا في نفسه أن المنظر هنا كان ليبدو أجمل إن وجدت نافورة كبيرة عالية جميلة. أتذكّر أن تلك التفصيلة قد أخذتني وأرعبتني، رجل في نفسه هذا التذوّق الجمالي، ويهتمّ بتفصيلة كتلك في الميدان ويفكّر فيها بنفس درجة الاهتمام التي منحها لخطة جريمته منذ لحظات. هكذا تسرّب الأدب إلى لا وعيي، وهكذا أحبّ وضع التفاصيل في أفلامي. لهذا تجدني دائمًا أذكر “دستويفسكي” و”تشيخوف” في نهاية الفيلم، لربما تسرّبت بعض من تفاصيلهم داخل الفيلم من لا وعيي دون أن أدري أو أقصد”.
يشير “شوقي” إلى مفاجأة مهمّة علمها منذ أيام من “بيلجي”، وهي تخص افتتانه برواية عربية اكتشفها مؤخرًا على حدّ قوله، وهي رواية الأديب المصري الكبير “توفيق الحكيم”، يوميات نائب في الأرياف”، فيضحك “جيلان” قائلًا: “نعم، هي رواية مذهلة، اكتشفتها مؤخرًا وفكرت حتى في اقتباسها داخل فيلم من إخراجي، بعيدًا عن أنك قد أخبرتني أنها قد اقتبست في فيلم مصري بالفعل ووعدتني بإرسال رابط للمشاهدة عمّا قريب!”
المونتاج والأفلام الطويلة ..جدًا
يسأله “شوقي” عن ملاحظة أكدها لها معظم زملاؤه من النقاد وهي أن الأفلام الطويلة صارت تمتد لثلاث ساعات أو أكثر مؤخرًا ، وهو أمر لم يكن شائعًا منذ عشرين عامًا مضت مثلًا”، يؤكد “بيلجي” على ملاحظته: “هذا صحيح، لكن فيما يخص أفلامي، فالأمر دائمًا يتعلّق بالقصة والسيناريو، فأنا أجلس لأكتب ولا أتخيّل بعدها هل سيجعل هذا الفيلم طويلًا زيادة عن اللازم أو أقٌصر مما ينبغي. أعلم أننا نفنى في تصويره فيما بعد، وأعلم أن الأفلام الطويلة لم تعد ترض المشاهدين، ولا المنتجين ولا الموزعين. لكني أتمنى أن أستطيع تجنّب هذا في فيلمي القادم. المشكلة أن هذا يتطلب جهدًا مضاعفًا من المخرج في مرحلة ما بعد الإنتاج، فأبدو كأنني أخرج فيلمين لكني أضطر إلى التنازل عند التوزيع وما شابه عن المقابل الأصلي المعتاد مقابل طول الفيلم، كلما طال الفيلم كلما تكلّف مجهودًا أكبر وأعطى أرباح أقل.”
يسأله “أحمد شوقي” أن يحدثنا عن تجربته في العمل في المونتاج والتحرير، ذاكرًا تصريحاته السابقة عن أن عملية المونتاج هي ما جعلته أكثر قدرة على فهم كيف تصوّر أو تخرج أو تصدر الأفلام في الأساس. يقول “بيلجي”: “عملية المونتاج والتحرير هي أهم المراحل في أفلامي”، ثم يقول ضاحًكا: “لست ك “بيلا تار” مثلا الذي يقول أن أفلامه لا تحتاج في تحريرها إلا القليل من المجهود الذي يوازي ساعتين على الأكثر. أما أنا فأرى أن نفسية الإنسان شديدة التعقيد، فلا يمكنك أن تخمّن تصرفاته أو ردود أفعاله على مواقف مختلفة. هكذا أقرر مثلًا أن يتصرف البطل على نحو معيّن تجاه موقف معيّن وقت التصوير، وأصوّر رد فعله بالفعل، ثم أثناء مرحلة التحرير، أكتشف بعد البحث والقراءة وإعادة التفكير أن على ردّ فعله أن يكون مختلفًا، وأنني أخطأت في قياس ردّ الفعل أو تخمينه، وأن هذا ليس الانفعال المطلوب، فكيف أعالج الخطأ بعد انتهاء مدّة التصوير؟ لهذا أقرر وقت التصوير أن أصور الكثير والكثير من اللقطات والمشاهد وردود الأفعال، فأصور الشخصية تتفاعل بالغضب مثلًا تجاه موقف ما، وأصوّرها أيضًا وهي تتفاعل بالضحك والسخرية، هكذا تكن اللقطات جاهزة لأستخدم أيها أصحّ أثناء التصوير. أحبّ تصوير مستويات متعددة من المشاعر، فأظلّ أصوّر حتى يصبح لدي ما يوازي 30 ساعة من المشاهد المطلوبة والتي ستخضع فيما بعد للمونتاج والتحرير لتصدر في صورتها النهائية في الفيلم.”
“لكنك لا تملك نفس الحماسة تجاه تأليف أغاني أو موسيقى مخصوصة لأفلامك؟” يسأله “شوقي” في نهاية اللقاء، فيجيب: “لا أحب الموسيقى المخصوصة أو تأليفها فقط من أجل الفيلم، ولهذا قصّة. أتذكّر أنني فعلت هذا في بداية أعمالي ولم تعجبني الموسيقى بتاتًا، فتوقفت عن هذا فيما بعد وصرت أستعين ببعض الموسيقى الكلاسيكية في خلفية المشاهد وانتهينا!”.
مترجمة وناقدة سينمائية، تخرجت في كلية الألسن ـ قسم اللغة الروسيـة. نُشرت لها العديدُ من المقالات الأدبية والترجمات بدوائر ثقافية مختلفة، داخل مصر وخارجها. تعمل حاليًا بمجال التَّرجمة والنقد وكتابة المحتوى، باللُّغات: العربية والانجليزية والروسية