بحضور الفنان حسين فهمي، رئيس مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، أُقيمت يوم أمس محاضرة استضافت المخرج القدير محمد عبد العزيز، وجاءت تحت عنوان أسرار الكوميديا”، في جلسة تلت منحه جائزة “الهرم الذهبي ضمن فعاليات الدورة الحالية من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي.

وبحسب تصريح عبد العزيز، فقد ضمّت دفعته في معهد السينما الفنان حسين فهمي، والمخرج محمد راضي، والفنانة نبيهة لطفي، والمخرج نادر جلال. تخرّج عبد العزيز عام 1964، وعمل بالتدريس في المعهد حتى الآن، في سابقة جعلته ربما واحدًا من أقدم معلمي المعهد.

“المحاضرة تأتي أولًا ثم يأتي بعدها ما يأتي”

في مقتطف رواه الكاتب أسامة عبد الفتاح في كتابه عن “عبد العزيز”، والصادر عن دار ريشة للنشر والتوزيع ضمن مطبوعات المهرجان لهذا العام، يذكر “عبد الفتاح” أنه حاور المخرج عمر عبد العزيز عن معلمه الأول قبل أن يكون أخاه، مستطلعًا ما يملكه من خبرات وحكايات مرّت ب “عُمر” مساعدًا ثالثًا ثم ثانيًا ثم أولًا تحت قيادة أخيه “محمد”.

صرّح “عمر عبد العزيز” أن التدريس في المعهد كان له الأولوية الدائمة، فلم يغب “محمد عبد العزيز” أبدًا عن محاضراته وشدد على وضع خطط ومواعيد التصوير بالتوافق دائمًا مع مواعيد المحاضرات التي يدرّسها في معهد السينما واهتمامًا بالدفعات العديدة التي تتلمذت على يديه والتي تخرّج منها “خيري بشارة” و “داود عبد السيّد” وآخرون.

حكى محمد عبد العزيز بتأثرٍ شديد عن امتنانه لخبر تكريمه، قائلًا: “أوجّه شكري لأسماء الراحلين الذين سبقوني في المجال وكانوا لي نبراسًا، مثل حلمي رفلة، وصلاح أبو سيف، ويوسف شاهين، وعلى رأسهم محمد كريم مؤسّس معهد السينما. لقد ورثت سلوكياتهم ومنهجهم، وسرتُ على نهجهم، مضيفًا من طبعي وشخصيتي إلى أفلامي وأعمالي الإبداعية التي وصلت إلى 67 فيلمًا، وثلاث مسرحيات كوميدية للمسرح الخاص، بالإضافة إلى العديد من الأعمال الدرامية التلفزيونية”.

“لم أسع إلى الكوميديا، بل هي من لاحقتني”

هكذا بدأ محمد عبد العزيز شهادته عن مسيرته في عالم الكوميديا، متتبعًا كيف سارت به الأيام من مساعدٍ للمخرج الرائد صلاح أبو سيف، ثم مساعدٍ للمخرج حسين كمال، إلى امتلاك الحسّ الكوميدي الذي اشتهر به ودرّسه، وخَلَفَ فيه فطين عبد الوهاب في زمن الكلاسيكيات.

بدأ “عبد العزيز” مسيرته الفنية في إخراج الأعمال التراجيدية، قائلًا: “هي التي تعلّمت فنونها، واكتسبتُ فيها كل خبرتي الجامعية والتدريبية؛ فأخرجتُ جزءًا من فيلم «صور ممنوعة» مع أشرف فهمي ومدكور ثابت وغيرهما، ثم فيلم «امرأة من القاهرة». وبعدها جلستُ عامين في بيتي بلا فرصة عمل، حتى جاءتني قصة فيلم في الصيف لازم نحبّ، وتفاجأتُ بالعدد الكبير من النجوم المرشحين لبطولته. وقد حقق الفيلم نجاحًا ساحقًا على المستويين الجماهيري والنقدي، ما دفعني إلى اتخاذ الكوميديا سبيلًا ومنهجًا، وإن كنتُ قد عدتُ بين الحين والآخر إلى التراجيديا؛ أُخرج عملًا هنا وآخر هناك، قبل أن أعود في النهاية إلى قواعدي سالمًا”.

معضلة الأفلام “الجادّة”

يحكي عبد العزيز عن استيائه القديم من إطلاق النقّاد على أفلامه التراجيدية وصف “أفلام محمد عبد العزيز الجادّة”، مصرحًا: “كان هذا يشعرني وكأنهم يصفون أفلامي الكوميدية بأنها غير جادّة أو هزلية أو أقل أهمية”. ويجادل “عبد العزيز” هذه الفرضية بقوله إن الأفلام الكوميدية هي الأقرب إلى المجتمع: “هي التي تمسّه وتحكي مآسيه، وتضرب على أوجاعه بنبرةٍ لطيفةٍ مسلّيةٍ مهوّنة، لكنها لا تنسى أن تحمل رسالتها إلى أصحابها وتوصلها بأمان”.

ويؤكد “عبد العزيز” أنه حتى لو ارتكزنا على هذه النبرة، فإن الكوميديا والسخرية من الأوضاع والسلوكيات الاجتماعية الخاطئة هما وحدهما القادرتان على التسرّب إلى النفوس، وإلى الأوساط الاجتماعية، بخفّةٍ وذكاءٍ يفوقان قدرة الرسائل المباشرة التي قد تقدمها الأفلام التراجيدية. واستشهد “عبد العزيز” بفيلمه ا«نتبهوا أيها السادة»، الذي صرّح بأن قصته حقيقية وأن البطلة كانت ابنة جار له، أصرّت عائلتها على تزويجها بحرفي في منطقتهم، أثرته مهنته وجعلته أغنى حتى من أساتذة الجامعة في زمانه. عهد “عبد العزيز” بالقصة المختصرة لمؤلف الفيلم “أحمد عبد الوهاب” حتى خرجت في صورتها النهائية في الفيلم الذي حقق نجاحًا مذهلًا آنذاك.

“آخر ما أسعى إليه هو الضحك”

كجلسة حكايات بلا مثيل، يكمل “عبد العزيز” حكاياته الشيّقة ويقص على السامعين قصّة رفضه لطلب “عبد المنعم مدبولي” بلبس جاكيتته مقلوبة في فيلم «في الصيف لازم نحب»، يقول “عبد العزيز” أن مدبولي أصرّ أن الحركة “هتجيب ضحك!”، فأجابه “عبد العزيز” بأنه لا يهتم بالضحك كمادة أولية، بل “لا أرغب فيه أصلا!” ويؤكد للحضور: “الضحك سيتولّد من تلقاء نفسه من سلوك الشخصية، من المواقف، من صراعها مع الحياة”. هذا رجل تصادفت فرصته الأولى في عالم الكوميديا وفيلم يجمع كوكبة من أهم كوميديانات مصر؛ سمير غانم وسعيد صالح وعبد المنعم مدبولي.

“وحتى عادل إمام نفسه”

يؤكد “عبد العزيز” أن نظريته السابقة تنطبق على الجميع وقد طبّقها على الجميع، حتى عادل إمام نفسه، “وإنّك لو فوّت للممثل الكوميدي ومنحته الفرصة تلو الفرصة لقول الإفيه هنا و”فرش النكتة” هناك، فلن تستطيع أن تحكم العمل الإبداعي”.

ثم يصرّح بالسر الأكبر والذي قد يبدو في صياغته متناقضًا: “يتطلّب إخراج أفلام الكوميديا حسًا لا يغفل من الانضباط والحسم، وأنا لا أتهاون في هذا المبدأ وربما هذا هو سّر نجاحي على مدار السنين. أما الأهم من وجهة نظري فهو وصول موضوع الفيلم أو العمل الإبداعي، أن تسمع كل جملة مهمة ويدرّك كل هدف عملت على تبطينه السيناريو الذي جلست مع مؤلفه مرّات ومرات لتجهيزه للعمل قبل بداية التصوير.”

ثنائية عادل وعبد العزيز

يلتقط الكاتب أسامة عبد الفتاح طرف الخيط عند الحديث عن عادم إمام ليفتح المجال للمخرج محمد عبد العزيز للحديث عن ثناءيتهما سويا، والتي تركت رصيدًا عظيمًا لا ينسى من الأفلام الكوميدية المصرية من بطولة عادل إمام، وإخراج محمد عبد العزيز. يتذكر “عبد العزيز” تعرّفه إلى “إمام” منذ أن كان الأول يعمل مساعد مخرج بالتلفزيون، وكيف أنه بعد أن أخرج فيلم «دقّة قلب» من بطولة محمود ياسين ومرفت أمين، ونجاح الفيلم في السينما وتصنيفه الكوميدي رغم أن أبطاله لم يعرفوا بفن التمثيل الكوميدي، يتذكر أن عادل إمام حدثه في الهاتف وسأله “كيف تخرج أفلام كوميدية من دون أن أكون بطلها؟“، ومن هنا بدأت الرحلة بفيلم «جنس ناعم» من بطولة عادل إمام وسمير غانم وشويكار.

يقول “عبد العزيز” أن عادل إمام ممثل يحتاج مساحته لتقديم أفضل ما عنده، بأداؤه المميّز وإفيهاته وطريقته الخاصة في إطلاقها، “يجلس كاتب السيناريو لوضع الفيلم، ويقرأه عادل مشهًدا مشهدًا ثم يتناقش فيه معي، يقترح إمام “إفيه” أو نكتة معيّنة، ثم أقترح أنا إضافة أخرى، ثم نتفق على السيناريو النهائي، وهذا هو ما يظهر في النهاية أمام المشاهدين في السينما، بلا تغيير ولا تعديل ولا حذف ولا ارتجال.” يقول “عبد العزيز” أن تلك كانت هي الخطّة الموحّدة التي سار عليها الثنائي طوال العمر فيما قدما من أفلام عديدة ومتنوّعة.

يحكي “عبد العزيز” كيف أنه قد أخرج فيلم «قاتل مقتلش حدّ» واحد من ثنائياته المتعددة أيضًا مع عادل إمام، بدافع من تحفيز الأخير برغبته في عمل أفلام تراجيدية، مصرّحًا أنه ممثّل ويريد أن يلعب التراجيديا أيضًا، خاصة وقد دُفع عنوة إلى الكوميديا بعد عمله مع أساتذة مدرسة المدبوليزم. يحكي “عبد العزيز” وضحكة لطيفة تراود وجهه الأكثر لطفًا، أن واحد من تلك الأفلام التراجيدية التي أراد “عادل إمام” منافسة نفسه فيها بالتمثيل بعيدًا عن الكوميدا، كان فيلم “انتخبوا الدكتور عبد الباسط” والذي نال شهرة أقل من سائر ثنائياتهما، أما عن سبب الابتسامة فلأن الحديق عنه يذكره برغبة ابنه الفنان “كريم عبد العزيز” في تصوير نسخة حديثة من الفيلم، يقوم فيها كريم بالدور الذي أدّاه عادل إمام في النسخة الأولى. يصرّ كريم كل عام على إنه مستعدّ ويعود ليناقش والده في إعادة إنتاج الفيلم.

مكتشف النجوم

بحضور الفنانة إلهام شاهين والفنانة لبلبة وشهادتهما عن العمل مع “عبد العزيز”، تؤكدان نفس المعنى، تقول إلهام شاهين: “لا أنسى كيف اختارني الأستاذ محمد عبد العزيز لأداء دور البطولة أمام سمير غانم في مسرحية “بهلول في إسطنبول”، وكانت تلك مرّتي الأولى في العمل بدور كوميدي في مسرحية كوميدية استعراضية. عهد إلى الفنان حسن عفيفي بتدريب على استعراضات المسرحية، وظننت أنني سأؤديها لفترة الصيف وانتهينا، ولدهشتي وخبرته ونظرته الثاقبة، استمر عرض المسرحية طوال خمس سنوات بلا توقّف”. كذلك تحكي لبلبة كيف أنه اختارها لأداء دور البطولة أمام عادل إمام في «خللي بالك من جيرانك» و«البعض يذهب للمأذون مرتين» واثقًا من أنها ستؤدي الدور على أكمل وجه.

يردّ عبد العزيز بكل الخجل والتقدير مؤمنًا على الشهادات في حقّه راويًا ومختتمًا ندوته شديدة الإمتاع، والتي كان أغلب حضورها من الشباب، بواقعة رفض عادل إمام لأداء دوره الشهير في فيلم «البعض يذهب للمأذون مرتين»، مصرًا على إنه فيلم: “دمّه تقيل، ولن ينجح مطلقًا”. طاوعه عبد العزيز في البداية، ثم أخبر المنتج: “عدّ كل شيء لتصوير الفيلم في الإسكندرية، لإن عادل يعرض مسرحيته هناك، وأنا سأتصرّف”، ثم زار “عادل إمام” في غرفته بالمسرح في اسكندرية حين فوجئ “إمام” بأوردر التصوير باكر، وحين سأل أخبره عبد العزيز: “ستصوّر الفيلم! شئت أم أبيت! نعم بالعافية. مضبوط!”

أتم “عادل إمام” تصوير الفيلم على مضض، وفوجئ بالنجاح المبهر وصالات السينما الملآنة بالجمهور الذي يكاد لا يستطيع أن يلتقط أنفاسه من الضحك، وبعد نظرة إلى وجه “عبد العزيز” الضاحك المنتصر يقول له عادل إمام ضاحكًا: “لا! بس هذا الفيلم لا يمكن يكون نفس السيناريو الذي قرأته أول مرّة!”

مشاركة: