على هامش فعاليات مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، احتفت النسخة الـ46 بمسيرة الفنان خالد النبوي الممتدة، حيث شارك الفنان جمهوره بالكواليس الملهمة التي شكّلت رحلته، من بداياته في المعهد إلى وصوله إلى العالمية. في بداية الندوة، وجّه النبوي التحية لعمّال السينما المصرية. وتذكّر وقت تصوير فيلم «المهاجر» في أحد مواقع سيوة، أثناء أحد مشاهد الحريق التي طلبها يوسف شاهين،، قائلاً: ” وأنا أستعد لتلك اللقطة، وهي لقطة قصيرة لا تتجاوز خمس ثوانٍ، شعرتُ بمسؤولية وخجل كبيرين، كان لابد ألا أفسد هذه اللقطة ولا مجهود جميع العاملين خلف الكاميرا”.
وفي مستهل حديثه، ذكر النبوي أن والديه هما أساس كل شيء. كان والده يرى أنه متخبّط، وكان يتمنى أن يصبح طبيبًا، فانزعج بشدة عندما التحق بالمعهد العالي للتعاون الزراعي، ولم يكن سعيدًا أيضًا بدخوله المعهد العالي للفنون المسرحية. لكن عندما شارك في مسرحية «حلاق بغداد» لألفريد فرج، حضر العرض، وفي نهايته عبّر عن ارتياحه لفكرة أن يكون ابنه ممثّلًا.
عبقرية يوسف شاهين وشرعية النجوم
أشار الفنان خالد النبوي، إلى أن أساتذته منحوه علامات فارقة خلال مسيرته الممتدة، بداية من أساتذته في الأكاديمية؛ إذ يتذكر الفنان سعد أردش، الذي علّمه معنى المسؤوليات المحددة وألا يتعدى دوره، وضرورة التفكير في الآخرين وليس في شخصه فقط. وكذلك إشراف أردش على مسرحية «فاوست»، التي لعب فيها النبوي دور البطولة، وهي المسرحية التي حضرها يوسف شاهين وقال بعدها: “أريد رؤية هذا الممثل”. وكذلك المخرج إبراهيم الصحن، الذي كان يُدرس له مادة التلفزيون، ومنحه عقب التخرج أول بطولة كبيرة في مسلسل «بوابة الحلواني».
كما تطرق إلى عدد من الأسماء البارزة في مشواره، مثل المخرج محمد عبد العزيز، الذي وصفه بـ “الرائع” و”المحب الرقيق” ولاحظ انضباطه في أول فيلم «ليلة عسل». والمخرج صلاح أبو سيف، الذي نصحه بأن فيلمه الثاني أهم من الأول لأنه سيثبت جدارته. والفنان فريد شوقي، من أعطاه “الشرعية” أمام الجميع عندما أعلن أنه هو من أشار إليه قبل فيلم «المهاجر». والفنان صلاح السعدني، الذي وصفه بـ “المثقف والفنان الكبير”، وكشف أنه صور معه مشهدًا لم ير النور في فيلم «المهاجر» قبل أن يعتذر ويحل محله الفنان سيد عبد الكريم.
يرى خالد النبوي، أن عبقرية يوسف شاهين تكمن في “خلق المناخ المناسب لكل لحظة”، وإنه يجيد “التعامل مع الوحدة المفردة مثل عين وجسد الممثل”. وأكد النبوي أن متعة التمثيل معه كانت من خلال السير وراء رؤيته النافذة، مشيرًا إلى أن العمل مع شاهين يشعره وكأنه انتقل إلى زمن آخر.
يروي النبوي أنه بعد مسلسل «بوابة الحلواني»، جاء فيلمي «ديسكو ديسكو» مع المخرجة إيناس الدغيدي، و«ضحك ولعب وجد وحب» مع المخرج طارق التلمساني. وعندما طلب يوسف شاهين منه التفرغ لمدة عام، أخبر الدغيدي التي لم تكمله كلامه وقالت: “يوسف شاهين أهم مني”. وعندما أخبرها أنه وقع عقدًا مع المنتج واصف فايز، قالت: “سأمزق العقد الذي بيننا”، وعلق النبوي: “لولا هذا الموقف ما كان دوري في فيلم المهاجر ليصير”.

بين شغف اللحظة وأمانة الرسالة
يُولد الإلهام أحيانًا من رحم الضرورة؛ فلم يكن التمثيل هدفًا بحد ذاته، بل كان البحث عن أي زاد للعيش. هكذا تحدث النبوي عن البداية التي ألهمته الدخول إلى عالم التمثيل، وفي غمرة هذا البحث، جاءت اللحظة الفارقة في معهد التعاون الزراعي حينما فتح قاعة المسرح، وأُسند إليه المخرج سامي العشماوي، دور البطولة في أحد المسرحيات، وبمجرد الانتقال من “بروفات الطاولة” إلى “أول بروفة حركة”، تدفقت في داخله سعادةٌ عارمة، ربما لم تُضاهها أي فرحة أخرى حتى اليوم. تلك اللحظة المجردة هي الوقود الذي أيقظ ذهنه على حب التمثيل. وهذا ما يدفعه لبذل الجهد كل صباح مجسدًا مقولة يرددها دومًا، وهي: “كن مختلفًا ولو صرت وحيدًا”.
بالحديث عن شخصية “رام” في فيلم «المهاجر»، أشار النبوي إلى أنه اعتمد في بداية مسيرته الفنية على أسس قوية، حيث كان معهد الفنون المسرحية هو الأساس من خلال التعليم والتدريبات. كما قدم شكره لمهرجان القاهرة السينمائي الذي كان يتيح له مشاهدة قرابة 60 فيلمًا في أسبوعين، مما ساهم في صقل خبرته.
وذكر النبوي أن جوهر الشخصية يكمن في فكرة تغيير المصير. فـ “رام”، البدوي محدود التعليم، كان مدفوعاً نحو التعلم واللحاق بمسيرة الحضارة، وكان على قدر هذه المسؤولية. ومن أبرز سماته التي لفتت النبوي هي حرصه على لادخار في فترة اليسر لأيام العسر.
وانتقالاً إلى شخصية “علي الحلواني”، أكد النبوي على العلاقة المهنية الممتدة التي تجمعه بالكاتب مدحت العدل، ووصفه بأنه السبب الأول والرئيسي في خروج الفيلم للنور. وصف النبوي هذه الشراكة بأنها “أفضل علاقة بين ممثل وسيناريست”، مؤكداً أن علي الحلواني هو النموذج للطموح الذي يغير مصيره. واعتبر أن أعمق فكرة إنسانية حملها العدل في هذا الدور هي قضية الأب.
كما أفرد النبوي جزءاً من حديثه لقضية صورة المهاجر والمواطن العربي، مشيراً إلى أن ما كان يشغله هو أن “المهاجر سيبقى تعيسًا ما دام مصيره في يد بلد آخر وليس وطنه”. وفي رفضه للصورة النمطية السلبية، شدد على أن المواطن العربي الحقيقي يمثله قامات مثل: “نجيب محفوظ، يوسف شاهين، أحمد زويل، ومحمد صلاح”.
واستعرض النبوي مواقف تثبت التزامه بتقديم صورة كريمة للعربي، ففي فيلم Fair Game، رفض بشدة إصرار مصممة الملابس على أن يرتدي ملابس بالية، مؤكداً معرفته التامة بكرامة الشخصيات العراقية، وأصر على تغيير الزي. كما أشار إلى نقاشه مع المخرج العالمي ريدلي سكوت حول تفصيلة في حوار فيلم Kingdom of Heaven، حيث وافق عليه سكوت وكاتب السيناريو في النهاية. واعتبر النبوي هذه المرونة مساحة تُمنح له كي يمارس أمانته في الدور، وهو ما يثمنه في العمل مع مخرجين عالميين.
تطرق النبوي كذلك إلى شخصية “منصور الدهبي”، الوجه الشرير في فيلم “يوم وليلة”. وفي تحليله للدور، استشهد بالاقتباس الخطير للفيلسوف ألبير كامو، بأن: “السلطة هي النافذة التي تطل على المستحيل”. وأوضح النبوي أن مفتاح الشخصية لم يكن رغبة منصور في الهجرة، بل رغبته في التحكم والسيطرة على حياة البشر. واختتم حديثه بمنهجه الأساسي: ” “لا أحكم على أي شخصية ولا أنتقدها؛ فأنا أنتقل من عالمي الشخصي، عالم خالد، إلى عالم الشخصية التي أجسّدها”.
ناقد سينمائي وعضو جمعية نقاد السينما