بعد نحو خمس سنوات على عرض فيلم Greenland للنجم جيرارد باتلر، يعود المخرج ريك رومان وو بجزءٍ ثانٍ يدور في العالم نفسه تحت عنوان Greenland 2: Migration. ينطلق الفيلم بعد خمس سنوات من نهاية الجزء الأول، التي شهدت نجاة جون جاريتي وعائلته وتمكّنهم من الوصول إلى المخبأ العسكري في جرينلاند قبل اصطدام مذنب كلارك بالأرض، والقضاء على أغلب أشكال الحياة عليها.
غير أن تلك النجاة سرعان ما تصبح على المحك مع مرور الوقت، ومن هنا تبدأ أحداث الجزء الثاني، حيث تُجبر العائلة على مغادرة الملجأ وخوض مغامرة جديدة محفوفة بالمخاطر، أملًا في الوصول إلى أرض بديلة تعيد إليهم شكل الحياة الطبيعي.
بعد مرور حوالي أسبوعين على طرحه في مختلف سينمات العالم، لم يستطع الفيلم تحقيق نجاح مماثل للجزء الأول، بل يُعاني سواء على المستوى الجماهيري أو النقدي، وهو ما انعكس بوضوح على إيراداته، محققًا إخفاقًا يَصعُب إغفاله.
وعلى الرغم من تكرار هذا السيناريو مع كثير من الأجزاء الثانية للأفلام الناجحة (كما حدث مع Joker 2 عام 2024)، فإن أفلام الـ Apocalypse / Post-Apocalypse (نهاية العالم وما بعدها) عادةً ما تنجح في جذب الجمهور، بوصفها من أكثر الأنواع السينمائية قدرةً على تقديم تجربة ممتعة ومشحونة ببعدٍ فلسفي يتأمل النفس البشرية في مواجهة الفناء.
هذا ما يثير التساؤلات هنا، لماذا أخفق فيلم Greenland 2: Migration في التواصل مع الجمهور كسابقه؟ وهل كان هناك مبرر درامي لجزء ثانٍ؟
الأبوكاليبس في ظلال الرأسمالية
في خلطته الأساسية، يعتمد عالم Greenland من ﺗﺄﻟﻴﻒ ميتشيل لافروتون وكريس سبارلينج، على العناصر الرئيسية المكوّنة للأدب الأبوكاليبسي اليهودي (الأدب الرؤيوي) المتجذر في تقاليد يهودية ومسيحية تاريخية يعود إلى الفترة ما بين 200 قبل الميلاد إلى 150 ميلادي، ويكشف عن الأيام الأخيرة على الأرض التي عادةً ما تتضمن كارثة كونية وتأسيس لملكوت الله على الأرض مع “البقية الصالحة” التي ستعود لأرض الميعاد.
هكذا تنطلق حبكة الجزء الأول من السلسلة، حين يهدد مذنب “كلارك” بفناء الأرض ويقع الاختيار من وزارة الأمن الداخلي الأمريكية على قلة من الناس (منهم عائلة جاريتي) للذهاب إلى مخبأها العسكري في جرينلاد، الذي سيؤمّن لهم النجاة من تأثير المذنب. ولكن على خلاف الغلاف الديني الذي يحيط بالأدب الرؤيوي، يتناول ريك رومان القصة من منظور نقدي للرأسمالية، فبدلًا من اختيار من لهم حق في النجاة على أساس “صلاحهم الديني”، يحدد الفيلم شروط أحقية النجاة وفقًا لمهنة الشخص، فالمُختارون هم فقط من يمكنهم خدمة الدولة في إعادة بناء الحياة بعد الكارثة، ما دون ذلك خارج الحُسبان.
وعلى هذا الأساس يبني رومان محوري الفيلم الرئيسيين الممتدين عبر السلسلة، أولهما رحلة عائلة جاريتي للوصول إلى بر الأمان، وثانيهما تفكيك هيمنة المنظومة الرأسمالية التي تجرّد البشر من إنسانيتهم، فتتحول معركة البقاء من محاولة النجاة من الموت إلى صراع على الحق في المحاولة من الأساس.
وعلى الرغم من سير الجزء الثاني على نفس الخُطى، إلا أن هذه المرة جاءت الأفكار مبتورة ويغلب عليها التكرار.
صورة مبهرة لحبكة متهالكة
“لولا انقراض الديناصورات بسبب ما حدث منذ ملايين السنين، لما كنا نحن هنا الآن” تقولها أليسون جاريتي (مورينا باكرين) إلى ابنها في أحد المشاهد قرب النهاية، ويشكّل هذا جوهر الجزء الثاني. فكما يأتي في عنوانه “هجرة” يركّز الفيلم على الأرض التي تُخلق من جديد، وسعي ﭼون جاريتي وعائلته للهجرة إلى النقطة التي يبدأ عندها كل شيء، أي مركز اصطدام المذنب بالأرض. غير أنّ هذه الفكرة، على الرغم من وجاهتها، جاءت في معالجة سردية ضعيفة.
يبدأ الفيلم بتقديم حبكته في الربع ساعة الأولى، لكنه ما يلبث أن يتخلى عن محوريه الأساسيين، فلا يمنح مفهوم ولادة الأرض من جديد المساحة الكافية للتمعن في دلالاته، أو علاقته الوثيقة المُحتملة بما يشهده الواقع من تغيرات سياسية واقتصادية ومناخية لخلق دراما حقيقية من داخله. ولا يتعمق في مصير العالقين في الخلاء أسفل هجمات المذنب وتوابعه، بل يمرون عليهم بشكل عابر كشخصيات ثانوية في رحلة أبطاله الأساسيين، دون التوقّف قليلًا لإدراك المأساة التي يعيشونها.
وكانت النتيجة أن الفيلم يعود إلى مسار مألوف، ويدور داخل بعض المحطات التي قدمها الفيلم الأول، المخاطر التي تواجهها العائلة والمشاهد المليئة بجرعات الأكشن والإثارة التي تقوم على مجازفة الشخصيات بحياتها من أجل النجاة.
وعلى الرغم من إتقان هذه المشاهد على مستوى المؤثرات البصرية، وهو ما يُحسب للفيلم، فإن غياب المعنى والثِقل الدرامي للأحداث جعل الفيلم يبدو وكأنه ينتمي داخل لعبة فيديو رديئة الصنع. وفي محاولة لتعويض ذلك، لجأ الفيلم إلى لحظات درامية قصيرة مقحمة بين مشاهد التشويق، مثل المشهد العاطفي بين الابن والفتاة الفرنسية التي قابلها لتوه ومشاهد ﭼون ووالد زوجته، وغيرها، فأصبح الأمر أشبه بالفواصل الإعلانية التي نراها على شاشات التلفزيون.

شخصيات فارفة وفرصة ضائعة
تبني الأفلام على شاكلة Greenland 2: Migration علاقة قوية مع الجمهور من خلال تقديم إما حبكة قوية أو شخصيات مُحكمة الكتابة، أو كليهما معًا. لكن كما أهدر الفيلم حبكته، لم يولِ اهتمامًا كبيرًا لشخصياته الرئيسية، ولم يبذل جهدًا في أنسنة الشخصيات الثانوية التي تظهر خلال الفيلم.
في ظل افتقاد السيناريو لعنصر الصراع الداخلي واكتفاءه بالصراع بين الإنسان والطبيعة، تأتي شخصيات أبطاله بشكل كارتوني، يخلو من التطور الدرامي اللازم تواجده خلال رحلة كتلك التي يخوضونها، وعليه فإنها تنتهي عند نفس النقطة التي بدأت منها.
كما أنه يضع عددًا من الشخصيات الثانوية في طريق أبطاله دون خلق بُعد إنساني لها أو أسباب درامية لأفعالها، فالبعض يساعدهم والآخر يغدر بهم دون أساس واضح تُبنى عليه تصرفاتهم، ليكن دورهم الوحيد دفع الحبكة إلى الأمام، في الطريق الذي رسمه صنّاع الفيلم.
يبحث جمهور السينما، في العادة، عن أفلام من هذا النوع بوصفها سهرة مثالية بعد يوم شاق. فمع شراء التذكرة، يُبرم المشاهد عقدًا ضمنيًا مع صنّاع الفيلم: «سأتقبّل قواعد عالمك ما دمت تمنحني تجربة ممتعة». غير أنّ Greenland 2: Migration يفشل في تقديم أي رؤية مختلفة، مكتفيًا بأن يكون نسخة باهتة من الجزء الأول، ليفقد بذلك صلته بالجمهور، ويخرج إلى النور كفرصة ضائعة لما كان يمكن أن يكون عليه.
ناقدة فنية ومترجمة