إذا قررت في أحد الأيام أن تستيقظ وتبحث في محركات البحث المختلفة عن العمر الافتراضي للثلاجات، وهي معلومة قد لا يهتم أحد بها كثيرًا حتى يقوم بعملية شراء ثلاجة لنفسه، فغالبًا ستخبرك أغلب المواقع المتخصصة وغير المتخصصة، وحتى الـAI، أن متوسط العمر الافتراضي قد يمتد من عشرة إلى خمسة عشر عامًا، مع الكثير من التنويهات بـضرورة الصيانة الدورية. أعلم أنك قد تفكر الآن: “هذا عمر افتراضي طويل إلى حد ما، أليس كذلك؟ في نهاية الأمر إنه مجرد جهاز كهربائي”.
حسنًا، لنفترض أنك أحببت اللعبة وقررت الاستمرار داخل عملية البحث وسألت عن متوسط عمر سيارتك وحيوانك الأليف والنبتة التي تُفكّر في زراعتها، ثم أخذَك فضولك البشري نحو معرفة متوسط عمر الإنسان الآن، ستخبرك المصادر نفسها أنه في مجتمعاتنا الحديثة ارتفع متوسط عمر الإنسان وأصبح يتراوح بين السبعين والثمانين عامًا، وهذا بالطبع يتوقف على عوامل كثيرة أهمها موقعك الجغرافي والمجتمع الذي تعيش فيه.
من بين كل الأبحاث والدراسات المتعمقة حول الأمر، ستقع عيناك على ذاك الخبر الذي قرر أن يلفت انتباهك إلى سنّ التقاعد (الرقم المخيف الذي لا يجب ذِكره)، وبالتأكيد صاحب الخبر قد أعدّ لك قائمة بالأشياء التي تفعلها حينها، لأنه ومهما كان العمر الذي ستصل إليه، فهذا السن — “لقد اتفقنا على عدم ذِكره” — يعني أنك أصبحت غير قادر على أداء مهامك بالشكل والكفاءة نفسيهما. في كلمات أخرى أكثر حدة: أصبحت “مُنتهِي الصلاحية”، تمامًا مثل الثلاجة التي بالأعلى بعد انقضاء عمرها الافتراضي، ساكنة في زاوية المطبخ تنتظر العامل الذي سيقوم باستبدالها.
إذًا، في نهاية اللعبة تخرج بتساؤل أكبر، وهو: متى تنتهي صلاحية الأشياء والشخوص؟ كيف ولماذا تنتهي؟ من هنا يسلك المخرج ياسر شفيعي مدخلًا لفيلمه الروائي الطويل الأول «شكوى رقم 713317»، الذي عُرض منذ أيام قليلة في الدورة الـ46 من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي.
هل هناك تاريخ صلاحية للإنسان؟
يبدأ ياسر شفيعي فيلمه بتتابع من المشاهد القصيرة نسبيًا التي يفصل بينها مونتاج حاد، وهو الأسلوب البصري الذي سيعتمده طوال الفيلم. تدور كلها في مطبخ الزوجين مجدي (محمود حميدة) وسما (شيرين)، حيث يأتي المشهد الافتتاحي للفيلم من داخل “فريزر” الثلاجة المُكدّس، ونتابع من خلاله حوارًا بينهما عن الثلاجة التي تحتاج إلى الإصلاح لأنها لم تعد قادرة على العمل بكفاءة، خاصةً أنهم بحاجة إلى حفظ كعكة عيد ميلاد سما التي يحتفلون بها اليوم مع حفل تقاعدها. وفي مساء ذلك اليوم، وأثناء عيد الميلاد، يحاول مجدي تكسير الثلج الذي ملأ الفريزر فيُصيب جداره ويُحدث فجوة فيه، ثم تنقطع الكهرباء عن المنزل.
من هنا تبدأ رحلة مجدي الطويلة مع إحدى شركات الصيانة لمحاولة إصلاح العطل الذي أحدثه، وهي الحبكة الأساسية والقشرة الخارجية لسيناريو الفيلم، الحائز على جائزة آفاق السينما العربية لأفضل سيناريو بمهرجان القاهرة السينمائي. لكن أسفل هذه القشرة يبني شفيعي طبقات أخرى من الحكاية عن زوجين متقاعدين أصابهما العجز والوهن في مواجهة الفناء.
يخلق السيناريو رمزية سردية وبصرية عن الحالة التي تجمع الزوجين بثلاجتهما. فالعطل الذي أصاب الثلاجة ووضعها في خانة “منتهية الصلاحية” هو ذاته الذي أصاب كلا الزوجين بعدما أُطلِق عليهما حُكم التقاعد، الذي في مجتمعاتنا لا يتوقف عند كونه حكمًا وظيفيًا يُجبَر صاحبه على التخلي عن عمله ومنصبه لأنه أصبح “لا يصلُح”، بل يمتد ليكون حكمًا مجتمعيًا يُعامل أصحابه فيه كالموتى. في نظر المجتمع هم أضعف من أن يستمروا في العيش كما كانوا، ويُجبَرون على التسليم بحتمية الهلاك في انتظار الموت.
أما على الناحية البصرية، فتحتل الثلاجة عددًا من المشاهد حيث تكون فيها البطل الثالث للقصة، لا مجرد جهاز كهربائي في المنزل. فبعد المشهد الافتتاحي، تتكرر زاوية التصوير من داخل الفريزر عدة مرات خلال الفيلم، كما تأتي مشاهد تُركّز فيها الكاميرا على الثلاجة دون حراك لعدة ثوانٍ، وتقترب من الصورة العائلية المُعلّقة عليها التي تجمع الزوجين بابنهما، الذي نراه مرتين فقط من خلال شاشة الموبايل معتذرًا عن عدم وجوده معهما، وكأن الثلاجة أصبحت الابن والفرد الثالث في العائلة بدلًا منه.

هل هناك تاريخ صلاحية للعلاقات الإنسانية؟
في الوقت نفسه الذي يتحرك فيه السيناريو نحو ذروة الحبكة الأساسية المتعلقة بإصلاح الثلاجة والشكوى رقم 713317 التي يرفعها مجدي لدى حماية المستهلك على شركة الصيانة، ومع كل كشف عن عطل جديد يصيب الثلاجة، يزيح الفيلم الستار عن مشكلة جديدة في علاقة الزوجين، بشكل أشبه بتدحرج كرة الثلج التي لا تتوقف قبل أن تصبح إعصارًا جليديًا.
“مفيش حاجة في البيت ده بتعيش” — تصرخ بها سما في وجه مجدي أثناء شجار طويل محتدم في منتصف المطبخ، بعدما تحولت مشكلة الثلاجة إلى صراع يومي لا ينتهي يعيشه الزوجان ويدفعهما إلى مواجهة الشقوق التي أصابت علاقتهما من شعورهما بتقلص ذواتهما. فالصراع الذي يخوضه مجدي لإصلاح الثلاجة لا يحدث لأنه يهوى الدخول في صراعات عبثية مع البيروقراطية، وإنما يأتي من شعور دفين بداخله بأنه لم يعد بقَدْرته فعلُ شيء، وأنه ينزوي ويزول إلى الفناء بينما لا يزال يتنفس، فيأخذ إصلاح الثلاجة على عاتقه كإثبات شخصي لوجوده على قيد الحياة.
في الوقت نفسه، يستقر الشبح ذاته داخل رأس سما، التي تقاعدت هي الأخرى ليستبدلوها في منصبها بفتاة شابة يافعة، ويتملّكها الخوف خشية أن تفقد كل ما تعرفه عن نفسها، فتتجه إلى محاولات لمجاراة الزمن، وتصبّ تركيزها على مشروع طبخ تستعين فيه بخبرات تلك الفتاة الشابة، دون أي دراية بمفردات العالم الجديد الذي أصبح يفرض نفسه عليهما، مع إحساسها بأن البيت الذي عرفته طوال حياتها لم يعد يحتمل بداخله أي حياة. في مواجهة هذا الشعور، يصل بطلَا الحكاية إلى اللحظة التي لم يعد أيٌّ منهما يحتمل ضعف نفسه، فتنهار علاقتهما.
لا شيء من هذا منطقي
في معالجة فكرة الفيلم، لم يلجأ شفيعي إلى الميلودراما كحلٍّ أسهل وأضمن في كسب تعاطف المشاهدين، ولم يلجأ أيضًا إلى الكوميديا، بتعريفها البسيط، التي أصبحت تسيطر على أغلب الأعمال السينمائية المصرية في السنوات الأخيرة، إنما اتجه إلى خلق لغة إخراجية خاصة به جمعت بين ملامح من الكوميديا السوداء والمسرح العبثي.
اعتمد شفيعي بشكل أساسي على نبرة ساخرة طوال الفيلم؛ أنت تشاهد مشكلة صغيرة قد لا تلقي لها بالًا إذا سمعت عنها، لكنها تُخلّف وراءها كمًّا هائلًا من المواقف غير المفهومة والمتفاقمة بشكل درامي بسرعة غير منطقية. ويدعم المخرج هذه النبرة بالأسلوب البصري الذي أُشير إليه سابقًا: مشاهد قصيرة نسبيًا يفصل بينها قطع حاد، وفي بعض الأحيان تكون غير متصلة ببعضها، فكأنك تنتهي من “سكيتش” عبثي وتنتقل إلى آخر درامي، وهكذا، مما يخلق إحساسًا بأن كل ما تراه أمامك هو مسرحية.
واستكمالًا لأساليبه البصرية، استخدم المخرج شيئًا بسيطًا مثل إعلان تلفزيوني عن “الجيل الجديد” من الثلاجات ليخلق منه دائرة جديدة من الهزل؛ فالإعلان الذي يظهر في البداية كأحد أشكال الضغط المجتمعي الذي يواجهه الزوجان بضرورة استبدال كل ما هو “قديم” بـ”الجديد”، يتحول خلال الفيلم إلى شيء أشبه بالكابوس يطارد مجدي ويسحبه داخله، حتى بدأ يتخيل أن الإعلان يناديه باسمه.
تكتمل عناصر هذه اللغة مع التمثيل الذي يغلب عليه رد الفعل المتأخر والكاريكاتوري أحيانًا، ورسمِ شخصية موظفة خدمة عملاء شركة الصيانة (تؤدي صوتها الممثلة القديرة إنعام سالوسة) التي تستقبل مكالمتك دائمًا بـ”ألو ألو ألووو”، لتؤكد لك أنه على قدر واقعية القصة التي تُحكى لك، إلا أن لا شيء مما يحدث يجب أن يكون منطقيًا.
ببصمته الشخصية ولغته السينمائية، دخل ياسر شفيعي في تجربته الروائية الطويلة الأولى إلى عالم كبار السن الذي لا يلتفت إليه الكثيرون، وصنع حكاية رقيقة تنظر في عيون رفاق أبطالها وتخبرهم أنهم لا يزالون على قيد الحياة.
ناقدة فنية ومترجمة