جلستُ في مقعدي بسينما الهناجر، والقاعة تغمرها تلك العتمة الباردة التي تسبق انبعاث الضوء، أتخيل كيف كان سيبدو وجه المخرج كمال الشيخ لو علم أن فيلمه «غروب وشروق» سيعود إلى الشاشة في نسخة مُرممة؛ بعد خمسة وخمسين عامًا من عرضه الأول، ليواجه جيلًا جديدًا من العيون: محبي الكلاسيكيات، أجانب يكتشفون القاهرة للمرة الأولى ويقارنون بين النسخة الحديثة ونسخة أخرى قديمة في فيلمه، وشبانًا وشابات يخطون بالكاد خارج سنوات المراهقة.

كانت هذه مشاهدتي الثالثة للفيلم، ومع ذلك ما إن بدأ الضوء يتسلل من عدسة البروجكتور حتى تمنيت لو كانت الأولى؛ تمنيتُ أن أمتلك براءة التلقي التي صُنع الفيلم من أجلها، تلك التي لا يمكن أن تحدث إلا على شاشة كبيرة، تُعيد الزمن إلى الوراء وتتركك في مواجهة الصورة وروح صُنّاعها. لكنّ القدر منحني تجربة موازية، حين جذبتني حركات الفتاتين في الصف الأمامي، كأنهما مرآة للمشاهدة التي تمنيتها لنفسي.

للمرة الأولى، لم أغضب من الهمسات ولا الاهتزازات الصغيرة في المقاعد، بل وجدتها امتدادًا للعرض نفسه. كانتا تعيشان الفيلم بصدقٍ طازج، وتتنفسان دهشته: لحظة الشهيق المذعور حين اكتشف سمير (إبراهيم خان) أن المرأة المحبوسة في غرفة صديقه ليست سوى زوجته، قبل أن يجرها على أرضية المنزل في ذلك المشهد الأيقوني… كانت صرختهما الصامتة امتدادًا لصوت الفيلم، وصدى يعيد لي ما فقدته من اندهاش المشاهدة الأولى.

بين العروض الاستعادية وكلاسيكيات القاهرة

يبقى للأفلام القديمة على الشاشة الكبيرة سحر لا يمكن الإفلات منه ما إن يختبره المتفرج أو المتفرجة . فبدلًا من المشاهدة على شاشة كمبيوتر، أو حتى على تلفزيون كبير وعالي الدقة، يعود الفيلم ليُعرض كما أراد صُناعه تمامًا: على الشاشة البيضاء العملاقة التي تجعل العمل أعظم من المتفرج، وأكبر من عالمه لساعتين كاملتين. في تلك اللحظات، يفرض المخرج وفريقه سلطتهم على عقولنا وقلوبنا.

اختبرت هذا السحر للمرة الأولى في مهرجان الجونة السينمائي بدورته الثانية، حين عُرضت بعض روائع المخرجين العالميين: فيلليني وبيرجمان. «الحياة حلوة» و«بيرسونا» وغيرها، كانت مشاهدة لا يمكن للكلمات أن تُنصفها، لكنها كافية لتدشن إدمانًا حقيقيًا في داخلي، وتجعلني أطارد هذه العروض أينما وجدت؛ في برامج التكريم بالمهرجانات، أو في سينما زاوية التي شاهدت فيها أفلام ستانلي كوبريك وبازوليني وونج كار واي، وتحفة أورسن ويلز «المواطن كين»، وغيرها مما لا يُمحى من الذاكرة.

حتى تلك المرحلة كانت معظم مشاهداتي لروائع عالمية استُعيدت بنسخ عالية الجودة. ما افتقدته حقًا هو مشاهدة روائع السينما المصرية في ترميم يليق بها -باستثناء أفلام يوسف شاهين التي حصلت على اهتمام ورثته وشركة مصر العالمية- حفاظًا على هذا التراث الذي لا ينبغي له أن يضيع. لكن: ماذا عن صُناع آخرين لا يملكون ورثة يحاربون بالنيابة عنهم؟ أين كلاسيكيات السينما المصرية الأخرى؟

في عام 2022 بدأ هذا السؤال يجد طريقه إلى الإجابة، حين أعلن مهرجان القاهرة السينمائي عن إطلاق مشروع لعرض الأفلام المصرية المُرممة. ومن بضع أفلام قليلة في عام 2022، نما الأمر إلى برنامج كامل بعنوان “كلاسيكيات القاهرة” في 2024، عُرضت فيه أعمال عظيمة مثل «الزوجة الثانية» و«القاهرة 30»، وأخرى من علامات السينما المصرية.

أصبح عرض الثانية عشرة ظهرًا موعدي اليومي المفضل، حتى لو اضطررت للاستيقاظ مبكرًا عن المعتاد كي ألحق به. فلا بداية أجمل ليوم في المهرجان من اللقطات الأولى من «بين القصرين»، ومشاهدة التناقض المدهش بين دخول سي السيد إلى منزله وقد أنهكه خبر فقدان فهمي، وبين دخوله ذاته في مشاهد أخرى متبخترًا بماله وقوته وسط أصدقائه وعشيقاته، وبهيبته الصارمة أمام أهل بيته. أو رؤية زنوبة التي تبدأ راقصة وعشيقة سابقة ثم تظهر في نهاية «قصر الشوق» مرتدية الحبرة واليشمك، تقبل يد الأب، وصورتها تنعكس على المرآة خلف السرير؛ كأن حسن الإمام يضع خطًا عريضًا تحت التحول الجذري لشخصيته المفضلة، تلك التي لا تبتغي في النهاية إلا “عيشة الفضليات” مهما كان الطريق الذي جاءت منه.

إعادات اكتشاف معقدة للكلاسيكيات

تُعد عملية الترميم وإعادة العرض نوعًا من “إعادات الاكتشاف المتراكبة” للأفلام؛ فخلف كل نسخة جديدة يقف أبطال يقضون شهورًا في ترميم الإطارات المصورة على خام، لإعادتها إلى الحياة بالصورة التي خرجت بها يومًا، أو بأقرب صورة يمكن الوصول إليها. يبدو المُرمم هنا كطبيب يضمد جرح فيلم قديم؛ جرح حفره الزمن بلا رحمة، تاركًا خدوشًا عميقة أو ألوانًا فقدت بريقها الأول.

ومشهد الأشخاص الذين يحضرون عرض فيلم بعد أربعين أو ستين عامًا من إنتاجه ليس مجرد لفتة رومانسية لأجيال تتشارك اللحظة نفسها والدهشة نفسها رغم اختلاف الزمن؛ بل هو أيضًا باب واسع للمقارنة بين مشاهدٍ عاصر الفيلم وفهم سياقاته الاجتماعية والسياسية، وآخر ينتمي لزمن جديد قد لا يملك المفاتيح ذاتها.

كان هذا هو السؤال الذي راودني وأنا أشاهد «غروب وشروق»؛ فدفَعني لأسأل الفتاتين — اللتين تحدثت عنهما في المقدمة — عن مدى معرفتهما بالأحداث التاريخية التي يقوم عليها البناء الدرامي للفيلم، مثل حريق القاهرة. وفوجئت بأنهما على دراية كافية، ما جعل تجربتهما أكثر عمقًا واتصالًا بالفيلم مما توقعت.

إجابتهما دفعتني بدوري لسؤال امرأة أجنبية كانت تشاهد الفيلم نفسه. وبعد لحظات من الحديث اكتشفت أن “مورين” مخرجة أميركية تسعى لمشاهدة أغلب الأفلام المصرية المرممة المعروضة في المهرجان، وقد التقيت بها لاحقًا في عرض فيلم «المستحيل». وعلى الرغم من أن معرفتها بالتاريخ المصري في النصف الثاني من القرن العشرين لم تتجاوز اسم عبد الناصر، فإنها فهمت كثيرًا مما يقوله الفيلم، بدون عائق من حاجز اللغة المختلفة والتاريخ البعيد عن عالمها. بل جلسنا معًا نتبادل تحليل الفيلم سياسيًا، ونقارنه بـ الفيلم نوار الأميركي الذي ينتقد الفساد السياسي والاقتصادي عبر قصص مشوقة بطلتها امرأة مغوية تجمع التناقضات: مظلومة وظالمة، ضعيفة وقوية، تمامًا مثل مديحة (سعاد حسني) في «غروب وشروق».

ولا يتوقف الأمر عند إعادة اكتشاف الفيلم في سياق سياسي واجتماعي جديد؛ بل يمتد إلى إعادة اكتشاف الممثلين أنفسهم. فالاختلاف الشاسع بين النسخ المتواضعة الجودة التي كنا نشاهدها في التلفزيون أو على الإنترنت، والنسخ المرمَّمة، يكشف تفاصيل لم نكن نراها من قبل، خصوصًا تعبيرات الوجوه في المشاهد القريبة. يكفي أن نتأمل عماد حمدي في «خان الخليلي» بشخصيته المعقدة بين الكهل الخجول والعاشق الصامت، والأخ المحب الذي يواجه مأزق القلب والأخوة في آن واحد. تفاصيل وجهه التي بدت باهتة في النسخ القديمة تظهر الآن بوضوح يغير تلقي الشخصية تمامًا.

وعلى الجانب الآخر، هناك أفلام لا يمكن أن تُعرض إلا بجودة عالية، وإلا فقدت معظم جمالياتها القائمة على الصورة والإضاءة والديكور. من بينها فيلم «المستحيل» الذي شاهدته هذا العام للمرة الثانية بعد عرضه العام الماضي في القاعة نفسها؛ فيلم حسين كمال الأول وربما أكثر أفلامه شاعرية من ناحية الصورة، بما يحمله من لقطات ذات طابع سريالي آسِر لا يظهر إلا حين تُمنح الشاشة حقها في الإضاءة والعمق واللون.

في النهاية، تبدو العروض الاستعادية أكثر من مجرد فرصة لمشاهدة فيلم قديم بجودة أفضل، فكل نسخة مُرمَّمة تعيد الحياة لا لفيلم فقط، بل لذاكرة كاملة كانت مهددة بالاختفاء، وتجعلنا نقف أمام حقيقة بسيطة وعميقة في آن واحد: أن السينما تعيش أطول مما نعيش، وترى أكثر مما نرى، وتحكي الحكاية نفسها لجيل بعد جيل، دون أن تفقد قدرتها على الإدهـاش.

مشاركة: