مع الزيادة التدريجية التي بدأت تشهدها السينما لعودة الاقتباس من الأدب إلى الشاشة – سواء اتفقنا أو اختلفنا على المستوى الفني لهذه الأفلام أو الروايات المقتبسة عنها – ترتفع نسب الأمل في أن يلتفت صناع الأفلام والمنتجين إلى الأعمال الأدبية الجيدة، سواء كانت قديمة أو حديثة، وأن يشهد هذا اللون الفني اذدهاره من جديد، بعد أن خفُت واختفى لعقود.
لذا كان انتظار فيلم «بنات الباشا»، الذي حظى بعرضه الأول في الدورة الـ46 من مهرجان القاهرة السينمائي ضمن مسابقة آفاق السينما العربية، يشوبه شيء من الحماس، خاصة أنه مأخوذ عن رواية لكاتبة معاصرة وهي نورا ناجي – وليس كاتب رجل – وهو أمر نادر الحدوث، فضلًا عن أن الرواية تحظى بشعبية كبيرة خاصة بعد ترشحها لجائزة ساويرس الأدبية عام 2018، لكن تحطم هذا الحماس على صخرة التردد بين التمسك بقالب الرواية السردي ومحاولة تغيير بعض تفاصيلها، وإيقاع ثقيل ومتراخي يحاكي رتابة المسلسلات الهندية.
كتب سيناريو الفيلم الكاتب محمد هشام عبية، في تجربته الثانية مع الاقتباس بعد مسلسل «في كل إسبوع يوم جمعة»، المأخوذ عن رواية الكاتب الكبير إبراهيم عبد المجيد، وأخرجه محمد جمال العدل ومن بطولة صابرين، وناهد السباعي، وزينة، وسوسن بدر، ومريم الخشت، وأحمد مجدي، وتارا عبود.
سرد تائه بين اجترار الذكريات وكيد النساء
في روايتها، تجمع نورا ناجي المشكلات التي تواجهها النساء مع عائلاتهم في مجتمعنا وتوزعها على عدد من الشخصيات النسائية، إذ تبدأ كل شخصية في سرد حكايتها عقب انتحار نادية الغامض، منذ طفولتها وحتى لقائها بالباشا، وصولًا إلى الحادث. جميعهن إما يعملن في الصالون الذي يملكه الباشا أو مترددات دائمات عليه، وجميعهن استطاعت نادية بطريقتها السحرية من وجهة نظرهن أن تخفف من آلامهن أو تمنحهن أملاً جديدًا في الحياة، إلا “فلك” المرأة الستينية التي تُصاب بالجنون وتموت وحيدة في سيارة الشرطة، ما يدفع نادية للانتحار بسبب شعورها بالعجز عن مساعدتها.
تسمح طبيعة الرواية لكاتبها أن يسرد ما يشاء من حكايات وتفاصيل في إطار النوع الفني وشكل البناء الذي اختاره لمخطوطته، لكن السينما فن محدد بزمن ضيق لا يسع احتواء جميع حكايات الرواية بتفاصيلها وتفرعاتها، لذا يجب على كاتب السيناريو الذي يقتبس من عمل أدبي أن يتحلى بالقدرة على تفكيك الحكاية وتخير الخطوط الدرامية التي تناسب وجهة النظر التي يرغب في سرد الحكاية من خلالها، ثم إعادة بناءها بما يتلائم مع طبيعة الوسيط السينمائي المحدود في زمنه.
لكن يبدو أن عبية كان مأخوذًا بالقالب الشكلي للرواية وتفاصيلها وحوارها أيضًا، ما جعله يضحي بكتابة سيناريو متماسك مقابل محاولة نقل أكبر قدر من تفاصيل الرواية كما هي إلى الشاشة والاحتفاظ بأكبر قدر من حوارها كما هو.
يبدأ الفيلم بتحديد زمن أحداثه بعام 2017، وهي معلومة لا منطق لوجودها سوى لتبرير وجود تفصيلة انفجار الكنيسة الموجودة في الرواية للدلالة على حالة الفوضى التي تعيشها المدينة والتي تنعكس على حياة الأبطال بموت نادية، لكنها في الفيلم ليست إلا حمل زائد بلا أي دلالة، مثل معلومة أن الأحداث أيضًا تدور في مدينة طنطا، إذ لم يكون هناك أي استفادة من خصوصية المدينة الصغيرة وطابع مجتمعها الأقرب في تحفظه إلى سكان ريف منه إلى قاطني مدينة كبيرة وصاخبة مثل القاهرة.
ينطلق سرد الأحداث في خطين متوازيين، أحدهما يقع في الوقت الحاضر حيث اكتشاف منى (صابرين) لجثة نادية (مريم الخشت) في صالون التجميل التجميل الذي يملكه نور الباشا (أحمد مجدي) التي تتجمع فيه كل صفات الذكوري السام.
لاحقًا تنضم إليها في الصالون كل من جيجي (زينا)، ونهال (ناهد السباعي)، وياسمين (تارا عبود)، ثم الباشا الذي يتخذ قرارًا باستخراج تصريح دفن دون إبلاغ الشرطة ومحاولة التكتم على الحادث لعدم الإضرار بسمعة الصالون على عكس الرواية، وتختزل الأزمة من محاولة التعامل مع الفوضى والخلل الداخلي الذي خلفه موت نادية داخل الشخصيات بما فيهم الباشا نفسه في الرواية ومحاولة استيعاب الحادث والبحث عن أسبابه أو المعنى الكامن خلف وقوعه، لتصبح أزمة الفيلم والشخصيات هي البحث عن امرأة تقبل بتغسيل جثة فتاة منتحرة.
ثم بالتوازي مع هذا الخط السردي تحكي لنا كل واحدة من الشخصيات النسائية قصتها مع الباشا ونادية بإسلوب الراوي، محاكاة للإسلوب السردي في الرواية، يصاحب صوتهن لقطات فلاش باك تجسد ما تحكيه كل واحدة منهن، في خط درامي موازي لأزمة جثمان نادية التي أصبحت حدثًا مفتعلًا، بعد طرد جيجي للمغسلة التي قبلت القيام بالمهمة مقابل زيادة مالية.
وفي مشهد عبثي لكريزة ضحك هستيرية تسيطر على النسوة الأربعة عقبت فشهلم في تغلبهم على خوفهم من تغسيل نادية، يجد استمرار أزمة الجثمان مبرره كذريعة للانتقام الساذج والهش الذي يقررن تنفيذه في الباشا بإبلاغ الشرطة على عكس إرادته.
هذا التنقل بين الماضي الذي ينوء بحمل حكاياته الطويلة التي تبدو وكأنها قراءة لنص الرواية دون محاولة معالجتها بصريًا، والحاضر المثقل بكيد النساء وأزمته المصنوعة، وضعنا أمام سرد مترهل وساكن لا ينمو فيه حدث أو تطور من خلاله الشخصيات.
ولأنه ليس هناك إلا الحكي والثرثرة التي لا تفسح مجالًا أمام الفيلم كوسيط فني بصري لأن يحكي بالصورة، نجد أنفسنا أمام إيقاع بطيء ومشاهد ممطوطة تستعرض ردود الفعل العُصابية لكل شخصية على حدة أمام خبر انتحار نادية، وتُعيد إنتاج قصصهن التي نسمعها بروايتهن.

شخصيات بين الاضطراب والتنميط
يختزل الفيلم عدد الشخصيات النسائية إلى سبعة بدلًا من عشرة في الرواية، مع تهميش دور الزوجة وإجراء تغييرات كبيرة على ملامح بعض الأبطال التي حولتهم من نماذج إنسانية تحمل بداخلها تناقضات البشر الطبيعية إلى شخصيات نمطية أحادية، أو غير محددة المعالم وذات ردود أفعال غير منطقية أو مفهومة.
يقدم الفيلم شخصية الباشا في الصورة النمطية للذكوري السام مُطلق الأذى لمن حوله من النساء، والذي تربطه علاقة نفعية بحتة بكل امرأة في حياته، باستثناء علاقته الهلامية بنادية، ومس فلك التي يخشاها ويتأثر لموتها دون أن يوضح لنا الفيلم طبيعة العلاقة الحميمية التي تربطه بها سوى أنها كانت مُعلمته قديمًا.
ورغم حضوره الجاف والبارد، واستقباله غير المبال بشكل مبالغ فيه لخبر انتحار نادية داخل الصالون – الفتاة الوحيدة التي لا تربطه بها أي علاقة نفعية في الفيلم سوى أنها تعمل لديه – يأتي انهياره عقب إبلاغ النسوة للشرطة كانتقام منه، رد فعل غير متسق مع فتوره وصلابة أعصابه التي أسس لها الفيلم، خاصة وأنها ليست جريمة قتل ولن يترتب على هذا الانتقام الهش أي تبعات قد تضر بشخصه أو بعمله.
ويسطح الفيلم شخصية نهال العاهرة الجامعية المثقفة التي تقرر امتهان هذا العمل عن إرادة ووعي داخل الرواية، ليمنحها صورة العاهرة النمطية في شكلها وأدائها وطريقة كلامها، ولا يبقى من ثقافتها سوى بعض العبارات التي ترددها مثل الببغاء لتتحول إلى شخصية كرتونية مثيرة للضحك والرثاء.
نادية هي الرابط الذي يجمع كل شخصيات الفيلم معًا، فهي مصدر العزاء لهن من آلامهن ومنقذتهن من محاولات الانتحار، ومن انتحارها يبدأن في مواجهة علاقتهن مع الباشا ومحاولة التمرد عليه. ومع ذلك تبدو نادية في الفيلم شخصية هلامية بلا تاريخ أو هوية ومعالم محددة، شخصية تنبت من الفراغ وتضيع فيه، ويأتي انتحارها بعد موت فلك رد فعل هستيري وغير مفهوم داخل سياق الفيلم.
في النهاية نجد أنفسنا أمام فرصة جديدة مهدرة لاقتباس عمل أدبي جيد إلى شاشة الكبيرة، مُني بتجاهل تفكيك النص ومعالجته كنص سينمائي يملك مقومات مختلفة كوسيط عن الكتابة الأدبية، وتحول إلى ناتج مضطرب ومبتور غارق في محاولات التحايل والثرثرة.

ناقدة سينمائية ومبرمجة أفلام