(العودة)
ثماني سنوات كانت كافية للفنان المخضرم دانيال داي لويس ليأخذ استراحة تامة بعيدًا عن أضواء الشهرة والنجومية التي حققها عبر مسيرة مثالية، تميّزت بجودة استثنائية وعدد محدود من الأعمال مقارنةً بأبرز نجوم هوليوود. عودة دانيال داي لويس، صاحب الجوائز الثلاث في الأوسكار، بدت بمثابة احتفال جامع لمختلف فئات السينمائيين من متابعين ونقاد، وهو ما يبرز قيمة فنان ارتبط بمواقف إنسانية مشهودة وموهبة استثنائية لا تخبو في فترات غيابه. لطالما اعتاد أن يتوقف عن التمثيل ويعود إليه في التوقيت الأمثل، ليخلق حالة من الترقب والتأهب التي ينتظرها جمهوره حول العالم؛ فكيف كانت تلك العودة في فيلمه الجديد Anemone الذي أخرجه ابنه رونان داي لويس؟

(البرود)
تبدأ الدقائق الأولى من الفيلم بلقطات متفرقة داخل أجواء مطيرة مثلجة، مع متابعة خطوات إحدى الشخصيات في رحلة بحثٍ عن شيءٍ ما، وهو ما يتوقعه المشاهد لاحقًا. وكأن كل ما يحدث يعكس حالة البرود في أوهام الأبطال الذين فقدوا مشاعرهم بسبب ماضٍ لا يعرفه سواهم، ماضٍ تجمّع في تلاقيات غير منطقية تمزج بين الخيال والواقع.
وسط هذا الغموض يظهر السير دانيال داي لويس في اللحظة التي انتظرها جميع المشاهدين، ومع أول حضور له يقدّم في صمت مطبق ملامح حياته الخاصة، حتى يطلق أولى كلماته بعد مرور ما يقرب من نصف ساعة، ليبدأ في سرد ماضيه بنفسه.
لكن للأسف، لم يظهر كل من رونان ودانيال براعة كافية في بناء السيناريو؛ فالكثير من التحولات النفسية لشخصية دانيال لم تظهر بوضوح في النص، بل جاءت من قوة حضوره هو، وسيطرته الكاملة على تفاصيل أدائه، من هدوئه إلى انفعالاته الداخلية، الممزوجة بتشتتات خصبة لم يمنحها السيناريو حقها. ومع طول الوقت المخصص لحكايته ورؤيته، لم ينجح رونان ودانيال في تقديم ما يكفي لتحقيق عودة صاخبة كما انتظرها الجمهور، ولا الانطلاقة المميزة التي تمنّاها كثيرون لرونان في عالم السينما. ومع ذلك، هذا لم يجعلني أعتبر الفيلم سيئًا تمامًا.
(تدمير فيلمك بنفسك)
ومن أبرز ما يعكر صفو المشاهدة، ويُعد من أعمق سلبيات الفيلم، الموسيقى التصويرية التي جاءت بصخبٍ عالٍ في مشاهد يفترض أنها هادئة في مظهرها وحركتها الداخلية. ورغم أن بعض اللحظات بدت أفضل عبر تصورات خاصة من رونان عن برودة ورداءة العالم، إلا أن معالجته أثناء المونتاج لم تستطع استغلال هذه التلاقيات على نحو كامل، وكأنه لا يريد أن يقدّم كل ما عنده حتى النهاية لصناعة فيلم مميز. ومع الوصول إلى أهم مشاهد انفجار الشخصيات المساندة، لم يقدّم سوى ومضات قليلة منهم جميعًا.
تشتتات كثيرة وقاسية لم تنجح في تجسيد اسم الفيلم وصورته المنتظرة، رغم إعجابي الشخصي بعنوانه اللافت. فـ”أنيموني” كان من المفترض أن يجسد حالة الفقدان وانعدام الثقة التي عبّر عنها دانيال داي لويس في أدائه، وأن ينعكس ذلك على مستويات مختلفة، لكنه اختلط بعناصر من الخيال لم ترتقِ بالفيلم إلى مستوى أفضل.

(أب وابن)
كان من المنتظر بالطبع أن يعود دانيال داي لويس بفيلم أعمق وأكبر بكثير من هذا، خاصة وأن ابنه كان حاضرًا في موقع التصوير ليخرج كل ما يعرفه الجميع عن قدرات أبيه. فاختيار هذه الرواية لتجسيدها على الشاشة بدا وكأنه محاولة لإعادة رسم علاقة رونان بأبيه. وعلى مدار الفيلم، بدا ما يخيطه رونان أقرب إلى تصوير تعقيدات خاصة ومثيرة في أفعال الأب، وكيف انعكست أو وُرّثت لمشاعر الابن. أما شخصية شون بين فمثّلت، بشكل أو بآخر، ملاكًا خاصًا يريد إعادة الاتصال بين الاثنين. ومع الأسف، جاءت شخصية الأم واحدة من الفرص المهدرة كتابيًا، إذ لم يمنحها رونان المساحة الكافية لتؤدي دورها في دفع الأحداث أو إغنائها.
في النهاية، لم يقدّم فيلم Anemone ما كان يتمنّاه الجمهور على الأرجح. لكن بالنسبة لي، ورغم كل ما ذكرته من سلبيات، فقد كانت إطلالة السير دانيال داي لويس وحدها، وظهوره برغبة صادقة في التمثيل، كفيلة بأن تمنح محبيه ما أرادوه منه… وذلك يكفي.

مهندس إنشائي ومراجع وصحفي هاوي محب للسينما والكتابة