تُعد المشاركة في موسم دراما رمضان مهمة صعبة، إذ يخضع كل عمل لضغوط متعددة، في مقدمتها ضيق الوقت وحدة المنافسة. ومن بين الكُتاب الحاضرين في موسم 2026 السيناريست عمار صبري، الذي يشارك هذا العام بعملين مختلفين: حيث يُعرض له في النصف الأول مسلسل «صحاب الأرض» إخراج بيتر ميمي، وفي النصف الثاني «حكاية نرجس» إخراج سامح علاء.
وتُعد هذه المرة الأولى التي يخوض فيها صبري السباق الرمضاني بعملين في موسم واحد؛ إذ سبق أن شارك بمسلسل «بدون سابق إنذار» في رمضان 2024. حول تحديات هذه التجربة وكواليس الكتابة، أجرى موقع «مشهد1» هذا الحوار معه.
إلى أي مدى تفرض الكتابة لموسم رمضان شروطًا درامية مغايرة مقارنة ببقية مواسم العرض؟ وهل تشعر أن كثافة المنافسة خلال هذا الموسم تمارس ضغطًا على اختياراتك الفنية؟
الموسم الرمضاني له طبيعة مختلفة، أولًا لأنه يشهد حالة تنافسية مرتفعة جدًا؛ إذ يُعرض أكثر من أربعين مسلسلًا في وقت واحد، ولن يتمكن المشاهد من متابعة هذا الكم من الأعمال، وبالتالي سيختار عددًا محدودًا منها، في أحسن الأحوال قد يصل إلى خمسة مسلسلات فقط. هذا يخلق ضغطًا على صانع العمل، لأنه يضع في حساباته أن المتفرج يقرر المشاهدة في وقت قصير جدًا؛ ربما من الحلقة الأولى، وربما حتى من التريلر. وبالتبعية، يجب أن يمتلك صانع العمل المهارة والخبرة التي تمكّنه من عرض حكايته بأسلوب يراعي هذه العوامل، وكما يراعي العناصر الفنية للحكاية، يراعي أيضًا عناصر جذب المشاهد.
يمكن النظر إلى ذلك بوصفه أمرًا سلبيًا، لكنني أرى أن له جانبًا إيجابيًا أيضًا. فالموسم الرمضاني موسم ضخم، ومعدلات مشاهدته مرتفعة، ما يضمن إنتاجًا أضخم لمشروعك قد لا يتوفر خارج هذه الفترة. وإذا استطعتُ الوعي بهذه الإمكانيات، وأن أكون واعيًا بطبيعة المنافسة، يمكن حينها تقديم أعمال قوية فنيًا وناجحة جماهيريًا. وليس صحيحًا أن كل الأعمال التي تُنتج داخل الموسم ضعيفة فنيًا، أو أن كل المسلسلات التي تُعرض خارجه قوية فنيًا؛ فهناك صانع دراما متمكن من أدواته يستطيع تقديم عمل متميز في الظروف المتاحة له.
كيف تفصل ذهنيًا بين عالمين دراميين مختلفين تعمل عليهما في الوقت نفسه، دون أن تتداخل نبرتهما أو تتشابه ملامحهما؟
لم أكتب أبدًا عالمين في وقت واحد، وأظن أن ذلك أمر صعب. وإذا كان المقصود تجربتي في «حكاية نرجس» و«صحاب الأرض»، فهما لم يُكتبا بالتوازي؛ إذ انتهيت من كتابة «حكاية نرجس» قبل البدء في «صحاب الأرض» بعدة أشهر.
قد أُجري بعض التعديلات على عمل أثناء العمل على آخر، لكن عملية خلق المعالجة والتفكير في التفاصيل تحتاج إلى تفرغ تام ويقظة حسّية كاملة تجاه المشروع؛ فمن المفترض أن يشغلني العمل الذي أكتبُه ليل نهار، حتى ألتقط تفاصيله وأسمح للأفكار بأن تتوارد. وهذا لن يتحقق في حال الانشغال بشيء آخر.
عند تناول قضية بحجم القضية الفلسطينية، كيف تحافظ على التوازن الدرامي بحيث لا يتحول العمل إلى شريط توثيقي يطغى على الشخصيات ويبتلع مساحتها الإنسانية؟
من المهم أن يكون لديّ وعي بما أحكيه، وأن أتحلى بإخلاص حقيقي للحكاية. قصة «صحاب الأرض» تنصبّ بالأساس على قصص الأشخاص لا على الأحداث؛ فالمسلسل لا يحكي عن الحرب بقدر ما يحكي عن حياة الإنسان تحت وطأتها. جميعنا شاهد الأخبار، وأعداد الشهداء، وفيديوهات المصابين، لكننا لم نعرف قصص هؤلاء. كنت معنيًا أكثر بأن أحكي عن حياتهم، عن حكاية كل فرد منهم، لأنهم ليسوا مجرد أرقام، بل بشر لديهم أحلام.
لذلك خلقت مجموعة من الشخصيات، وبنيت تفاصيلهم حتى صاروا بالنسبة لي حقيقة. صحيح أن هناك رحلة تدور خلال أحداث حرب معروفة، لكنني أقدم دراما في ظل الحرب، لا دراما عن الحرب. الضامن لذلك هو مدى إخلاصي للشخصيات التي خلقتها؛ فهي التي تحدد مسار المسلسل، لأن المشاهد يتعلق بالشخصيات لا بالأحداث، وما يبقى في ذهنه في النهاية هو مشاعر هذه الشخصيات.
هناك انتقادات تواجه «صحاب الأرض»: ارتفاع صوت التوثيق على صوت الدراما، هل تتفق مع هذه العبارة وكيف تعاملت مع هذا التحدي أثناء صياغة السيناريو؟
الحلقات الأولى من المسلسل عُرضت، وأظن أننا تجاوزنا هذا المأزق. ويرجع ذلك جزئيًا إلى إدراكنا المبكر لهذا التخوف. كما ذكرت سابقًا، لم أكن معنيًا بالأحداث بحد ذاتها بقدر ما كنت أحكي عن البشر في ظل هذه الأحداث. وبالنسبة لي، هذه هي الدراما الحقيقية: رحلة الأشخاص، ما يسعون إليه، وما يعانونه، وما يواجهونه في حياتهم.
ما منهجك في صياغة العمل؟ هل تحرص على كتابة المعالجة كاملة قبل الشروع في كتابة الحلقات، أم تفضل أن تتقدم في كتابة الحلقات بالتوازي مع تطوير المعالجة وتفاصيلها؟
أميل إلى الانتهاء من المعالجة الكاملة والتفصيلية للأحداث قبل البدء في كتابة السيناريو، بحيث يكون كل شيء واضحًا أمامي، وأكون مدركًا لاختياراتي جيدًا. وأثناء كتابة الحلقات قد تطرأ أفكار تغيّر بعض التفاصيل، لكن الصورة العامة تظل واضحة منذ البداية. وهذا ما حدث معي في مسلسل «حكاية نرجس»؛ إذ انتهيت من كتابة المعالجة كاملة، متضمنة الشخصيات وأحداث الحلقات جميعها، قبل الشروع في الكتابة. لذلك، حين بدأت كتابة الحلقة الأولى، كنت مدركًا لمسار الشخصيات حتى الوصول إلى الحلقة الأخيرة.
لكن ذلك ليس قاعدة ثابتة؛ ففي أعمال أخرى قد لا تكون الأمور واضحة تمامًا منذ البداية، فأمضي فصلًا بفصل، وأحيانًا حلقة بحلقة. غير أن هذا الأسلوب يتطلب جهدًا أكبر، لأن كل فكرة جديدة قد تستدعي تعديل الحلقات من بدايتها.
شخصيًا، لا أرى أن هناك طريقة واحدة للعمل؛ الأهم أن تكون النتيجة مُرضية لك، وأن تتمكن من حكي القصة والتعبير عمّا تريد إيصاله إلى الجمهور.
حتى الآن عملت في أكثر من عمل، منتقلا من ورشة الكتابة إلى الكتابة المشتركة، في رأيك، إلى أي مدى كانت البداية الجماعية مفيدة لك ككاتب؟ أم أنك تميل أكثر إلى البداية الفردية؟
لقد استفدت كثيرًا في بدايتي من تجربة ورش الكتابة، فقد بدأت في مسلسل ضخم مثل «لعبة نيوتن» ومررت بتجارب متنوعة في أسلوب العمل وأنواع الدراما المختلفة التي يقدمها كل مشروع. وأعتقد أن ذلك حقق لي استفادة كبيرة على المستوى الحرفي، إذ أتاح لي الاطلاع على طرق مختلفة للعمل، وأدركت أن لا وجود لمفهوم الصح والخطأ بقدر ما هناك أساليب متعددة، والمهم أن يجد الكاتب الطريقة التي تناسبه.
قبل ورش الكتابة، خضت تجربة فردية كمؤلف مسرحي، ثم مؤلف لأفلام قصيرة، وصولًا إلى الورش الجماعية، ثم أعمالي المنفردة. وأعتقد أن كل خطوة ساعدتني بشكل أو بآخر، لذلك أنا ممتن لكل هذه التجارب التي شكلت مسيرتي.
الكتابة الجماعية أصبحت أمرًا متكررًا، ومعها يقل تدريجيًا ظهور الكاتب المستقل مثل أسامة أنور عكاشة. كيف ترى تأثير هذا التوجه على جودة الأعمال المعروضة؟
لا أرى أي تعارض بين تجارب الكتابة الجماعية والفردية، ولا أعتقد أن هناك علاقة مباشرة بين طبيعة الكتابة وجودة الأعمال. فهناك أعمال جماعية كانت مميزة مثل «هذا المساء» و«لعبة نيوتن» و«موجة حارة»، وفي المقابل، توجد أعمال لكتاب مستقلين لم تحقق جودة عالية.
لذلك، ربط الكتابة الجماعية بمستوى الجودة أمر لا أساس له من الصحة. في الواقع، أنجح المسلسلات العالمية غالبًا تُكتب في غرف كتابة، وأحيانًا يشارك في المسلسل الواحد عشرات الكُتّاب، ومع ذلك تحقق نجاحًا كبيرًا وتستمر في الذاكرة الجماهيرية. بصراحة، لا أفهم هذا الربط الذي يُفترض بين طريقة الكتابة والجودة.
لماذا تم الاستعانة بالسنياريست محمد هشام عبية في مسلسل «صحاب الأرض»؟ وكيف تم التوافق بينكم أثناء عملية الكتابة؟
مسلسل «صحاب الأرض» عمل ضخم ومهم، ومع ذلك تم تنفيذه في وقت ضيق، حوالي أربعة أشهر، وبالتالي كانت عملية الكتابة تتقدم بسرعة. ومشروع بهذه الأهمية كنا حريصين على أن يظهر في أفضل صورة، لذلك كان من المهم، في منتصف المشروع ومع ضيق الوقت، وجود كاتب محترف يساهم بخبرته في بعض التعديلات ويضيف قيمة للعمل.
شخصيًا، أحب أن يكون هناك مطور للسيناريو ذو خبرة يساعد في تقدم المشروع، فهذا يثري العمل ويضيف له عمقًا. ورغم أن هذا الأسلوب قد يكون حديثًا علينا في المجال، فهو في الواقع متعارف عليه في صناعة الدراما. والحقيقة أنني كنت سعيدًا بمشاركة السيناريست محمد هشام عبية، لأني أحب أعماله التي تتوافق مع ذوقي، وكنت متفائلًا بأن يحدث توافق بيننا، وهو ما تحقق بالفعل.
حكاية «نرجس» مستوحاة من أحداث حقيقية… هل تعتقد أن هذه الصفة تمنح العمل قوة إضافية عند عرضه؟
أعتقد أن كون العمل مستوحى من الواقع يمنحه إحساسًا بالصدق ويثير فضول المشاهد، لكن في النهاية، القوة الحقيقية لأي عمل تتحدد بجودته الفنية، سواء كان مستوحى من أحداث حقيقية أو خياليًا بالكامل.

صحفية مصرية مهتمة بالشأن الفني