يأتي مسلسل «جناية حب» ضمن الأعمال الخليجية اللافتة في موسم رمضان 2026، وهو تجربة درامية قصيرة تميل إلى التشويق النفسي والاجتماعي. العمل مكوّن من سبع حلقات، ويُعرض عبر منصة “شاشا” الكويتية، في توجه يعكس تصاعد حضور المسلسلات القصيرة في الدراما العربية بدلًا من صيغ درامية أخرى استمرت لسنوات واعتمدت عدد الـ 30 حلقة.

المسلسل مقتبس عن رواية «السندباد الأعمى» للكاتبة الكويتية بثينة العيسى، فيما كتب المعالجة الدرامية والسيناريو الكاتب المصري بلال فضل، وأخرجه اللبناني سعيد الماروق، ويضم نخبة من نجوم الدراما الخليجية، من بينهم يعقوب عبد الله وهيا عبد السلام وبشار الشطي وحسين المهدي.

مثلث الحب والمأساة

تبدأ رواية «السندباد الأعمى» ومسلسل «جناية حب» من حبكة تبدو للوهلة الأولى مألوفة جدًا: مثلث حب تقليدي، لكن هذه الطبقة من الحكي ليست سوى السطح الهادئ الذي يخفي تحته قصة، على تقليديتها، تفضح أزمة أكبر في المجتمعات العربية، بينما يتقاطع كل ذلك مع فترة زمنية مضطربة من الناحية السياسية، تُلقي نتائجها بظلالها حتى اليوم.

تتعدد أزمنة الرواية، فتبدأ في نهاية الثمانينيات قبل حرب الخليج الثانية مباشرة، ثم تعود بـ “فلاش باك” إلى السبعينيات، غير أن أهم أحداثها تقع في تلك الفترة المظلمة بعد الغزو العراقي للكويت، ثم يُختتم المسلسل بكارثة أخرى شملت الكوكب كله، وهي “كوفيد-19” وفترة الحجر الصحي، كما لو أن القصة تمزج في كل خطوة بين المأساة الخاصة والعامة.

في مقدمة الحكاية نجد ناديا (هيا عبد السلام)، امرأة مرّ على زواجها من نواف (حسين المهدي) عشر سنوات كاملة، زواج مستقر ظاهريًا، لا تشوبه فضائح ولا تعكّر صفوه عيوب صارخة. نواف زوجٌ مراعٍ لمشاعر زوجته، يخونها من وقت لآخر، غير أنها لا تبدو مبالية بذلك. لا يفهم عشقها للكتابة أو طموحاتها الأدبية، لكنه يتركها تفعل ما تشاء طالما ظلت سعيدة. غير أنها تعيش بداخلها يقينًا ثقيلًا، أقرب إلى همس دائم لا يسكت، بأنها ربما اختارت الشخص الخطأ.

هذا اليقين لا يستند إلى وقائع ملموسة بقدر ما يستند إلى ظل قديم اسمه عامر (بشار الشطي)، زميل الجامعة والصديق الذي عرّفها لاحقًا على زوجها نواف. عامر الذي شعرت ناديا نحوه يومًا بانجذاب مختلف، إحساس غير مكتمل، وما خُيّل لها أنه مشاعر متبادلة لم تُسمَّ في وقتها، ثم فجأة انسحب وتجاهل كل ما سبق كأن لم يكن، بل شجعها على زواجها من نواف.

ورغم أن ناديا مضت في حياتها، وتزوجت نواف، وأنجبت منه ابنتها مناير، وحاولت أن تتبنى شكل الحياة المستقرة في تفاصيلها اليومية، إلا أن السؤال ظل حيًا، ليس سؤالًا عن الخيانة ولا عن الرغبة في الهروب، بل سؤال بسيط ومؤلم في آن واحد: هل تخليتُ عن حياة أخرى مع الشخص الذي أحببته بحق؟ هذا السؤال تحديدًا هو ما ينهشها، ليس لأنها تريد استعادة الماضي، بل فقط تفسيره.

وفي رحلة إلى “الشاليه” على البحر، تجمع بين نواف وزوجته وعامر وطلال، أخي نواف، وزوجته هدى والطفلة مناير والطفل فواز، تقرر ناديا مواجهة عامر، مواجهة متأخرة ربما لكنها ضرورية بالنسبة لها، مؤمنة أن أي إجابة قد تحررها. لكن ليلة السؤال تنقلب إلى كارثة حين يرى نواف زوجته مع عامر، لحظة عابرة ومشهد يمكن تفسيره بأكثر من طريقة، اختار منها هو التفسير الأسوأ، ليتحول الأصدقاء إلى قتيلة وقاتل وصديق خائن، وطفلة تدهسها أقدام الكبار الذين لا يبالون إلا بمآسيهم الشخصية.

الحرب تعيد ترتيب المصائر

إذا كانت طبقة المثلث العاطفي هي المدخل الإنساني للحكاية، فإن الحرب هي الزلزال الذي يعيد ترتيب كل شيء. الرواية لا تستخدم الغزو العراقي للكويت كخلفية زمنية عابرة، بل كأداة فعلية لإعادة تشكيل المجتمع والشخصيات معًا. الحرب ليست حدثًا سياسيًا فقط، بل لحظة انكشاف أخلاقي تخلخل القيم المستقرة، وتعيد قراءة مفاهيم مثل الشرف والذنب والعقاب.

المفارقة أن الحرب، بكل قسوتها، تمنح الشخصيات الذكورية فرصة جديدة. هي التي تُخرج نواف من السجن بعد عام واحد فقط، رغم أن الحكم كان ثلاث سنوات مقابل قتله لزوجته، وكأن الفوضى تمحو أثر الجريمة الفردية أو تذيبها في جريمة أوسع. وهي نفسها التي تعيد عامر إلى الكويت بعد أن كان قد غادرها هربًا من تبعات الحادثة، كأن التاريخ يتدخل ليجمع من تفرقوا لإجبارهم على فتح الجراح.

في المعتاد كان يمكن لمقتل ناديا أن يُختصر في سردية جاهزة: امرأة خائنة دفعت ثمن خطئها، حدث يُطوى بسرعة ويُبرَّر ضمنيًا تحت مظلة “الغضب المشروع” أو “الدفاع عن الشرف”، وتتحول إلى امرأة تُمحى من التاريخ، لا تتذكرها سرًا سوى صديقتها هدى (صمود المؤمن)، وابنتها مناير التي يتم التلاعب بذاكرتها حتى تشك في أنها تمتلك أمًا من الأساس.

لكن وقوع الجريمة في لحظة وطنية كبرى، لحظة انكسار جماعي، يمنع هذا التبسيط. فجأة لا يعود الدم شأنًا عائليًا مغلقًا، هناك سياق عام يضغط، وهناك أسئلة كبرى تُطرح بصوت خافت: هل يكفي سجن سنة واحدة؟ هل الحرب عذر لتخفيف العقوبة؟ هل يمكن لمجتمع يطالب بالعدل في قضية وطنية أن يتسامح مع ظلم مقبول اجتماعيًا؟

من النقاط اللافتة أن المعالجة الدرامية للمسلسل اختارت الاقتراب جدًا من روح الرواية في بنيتها السردية. في «السندباد الأعمى» لا يُمنح السرد لصوت واحد مسيطر، بل يتوزع بين الشخصيات؛ كل شخصية تروي جزءًا من الحقيقة، أو ما تعتقد أنه الحقيقة. هذا التعدد في الأصوات لا يبرئ أحدًا، لكنه يفسر الجميع.

انحاز مسلسل «جناية حب» بوضوح إلى ذات الأسلوب. لم يقدم المأساة من زاوية الضحية فقط أو الجاني، بل سمح لكل طرف أن يتكلم. نواف ليس مجرد زوج غيور تحوّل إلى قاتل، بل إنسان مأزوم يرى ما حدث بعين مختلفة، خلفها ثوابت اجتماعية راسخة. مناير ليست طفلة هامشية في الحكاية، بل ذاكرة تُعاد صياغتها رغمًا عنها، ومحاولتها لمقاومة هذا التشكل الإجباري تحولها إلى امرأة دمّر الألم حياتها. هدى أيضًا ليست شاهدة صامتة، بل صديقة وأم بديلة تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

يمنح المسلسل كل شخصية حلقة كاملة تُروى من منظورها، بحيث يُعاد تقديم الحدث المركزي في كل مرة، لكن دون أن يبدو الأمر إعادة مكررة. كل حلقة تكشف زاوية جديدة ومعلومة ناقصة، وفي الوقت نفسه تحرّك الحبكة إلى الأمام بدلًا من أن تدور في مكانها.

في النهاية، يمكن القول إن «جناية حب» لا يكتفي بكونه عملًا جيدًا ضمن سباق رمضان، بل يضع نفسه بسهولة في قائمة الأفضل هذا الموسم، ليس فقط لأن قصته قوية أو لأنه يقترب بجرأة من مناطق حساسة ومسكوت عنها اجتماعيًا، لكن لأنه متكامل إلى حد كبير على مستوى الصناعة.

فإخراج سعيد الماروق منح العمل حسًا بصريًا مميزًا، سواء في استخدام الإضاءة أو التصوير، بحيث نشعر بالفارق بين الأزمنة المختلفة. أما الأداء التمثيلي فجاء متماسكًا ومقنعًا، يغلّفه حزن يتناسب مع مأساوية القصة وأثرها على كل الشخصيات، رئيسية كانت أو فرعية، ما جعل المسلسل يخرج من إطار قصة صادمة إلى تجربة درامية ناضجة ومؤثرة، قادرة على أن تبقى في الذاكرة بعد انتهاء شهر رمضان.

مشاركة: