على هامش فعاليات مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، أقيم ماستر كلاس للمخرجة المجرية المتميزة إلديكو إنيدي (Ildikó Enyedi)، والتي ستُمنح جائزة إنجاز العمر خلال فعاليات النسخة الـ46. يواكب هذا الاحتفاء المميز عرض فيلمين من أبرز أعمالها: التحفة الحائزة على الدب الذهبي «عن الجسد والروح» (On Body and Soul)، وفيلمها الأحدث «الصديق الصامت» (Silent Friend).

يُشكل هذا التكريم فرصة للتعمق في مسيرة فنانة اختارت طريقًا مغايرًا داخل المشهد السينمائي، مُشكلة صوتًا فريدًا يبتعد عن التشاؤم التقليدي الذي شكل السينما المجرية لفترة طويلة. نكتشف خلال المحاضرة التي حملت اسم “شاعرية الواقع” كيف أثر فضول إنيدي على تبني منظور يرفض الثنائيات الحادة ويحتفي بالوحدة الفطرية بين البشر والطبيعة، ويسلط الضوء على منهجها الدقيق في العمل مع الممثلين، سواء كانوا بشراً أو حتى كائنات غير بشرية.

تؤكد المخرجة إلديكو إنيدي أن مسيرتها الفنية تتشكل عبر مزيج من التأثيرات، متجاوزة دراساتها الأكاديمية في الاقتصاد وصناعة الأفلام والفن البصري. وتشدد على أن الدوافع المهمة تكتسب في سن المراهقة والطفولة، مشيرة إلى تأثرها العميق بـ “مشهد الفن السري والمثير في بودابست في الثمانينيات”، الذي اختارت أن تكون جزءًا منه بوعي. وتعتبر أن الفضول هو محركها الأساسي، حيث استوحت لسنوات طويلة من العلوم الطبيعية، رغم بعدها الظاهري عن صناعة الأفلام. وهي ترى أن هذه التأثيرات ترسم خريطة لخياراتنا، تقودها شخصياتنا اللاواعية.

المنهج المتفرد ورفض التشاؤم التقليدي

على عكس السينما المجرية التي كانت تميل إلى القتامة والتشاؤم في الفترة التي بدأت فيها، تبنت إنيدي صوتًا ووجهة نظر مغايرين. وتصف منهجها بأنه غريزي وشخصي نابع من فضولها، حتى أنها وُصفت بـ “المنبوذ” بين صانعي الأفلام المجريين بعد عام 1989. تؤكد إنيدي أن شخصيات أفلامها، رغم كونها ناقصة، إلا أنهم “جميعًا طيبون في الأساس”، باستثناءات قليلة. لذا، تحرص دائمًا على ربط المتناقضات، كما ظهر في شخصيتي الأختين في فيلم My 20th Century.

فلسفة الترابط ونبذ الثنائيات

ترفض إنيدي أن أفلامها استقطابية أو ثنائية، مؤكدة أنها لا تضع قوى متصارعة كالخير والشر، بل تدعو الجمهور لتشجيع جميع الشخصيات. وتنبع هذه الرؤية من إيمانها بأننا فطريًا لا نُجزئ ما نُسميه واقعًا عما نتخيله. فبالنسبة لها، لا توجد حواجز بين الطبيعة والبشر أو بين الواقع والخيال، بل هي جميعًا كيانات مترابطة. وتلخص هذه الفلسفة باقتباس في بداية فيلمها الأحدث Silent Friend لعالم الأعصاب أنيل سيث: “نحن نهلوس طوال الوقت. عندما نتفق على هلوساتنا، نسميها حقيقة”. وتظهر هذه الفكرة في فيلمها، الذي يركز على علاقات النباتات بالبشر، مسلطاً الضوء على الطبيعة الزائلة للإدراك البشري والواقع المزعوم.

دور الطبيعة والإخراج غير البشري

تلعب الطبيعة دوراً محدداً ومهماً في أعمال إنيدي، حيث لا تشعر بوجود فجوة بينها وبين البشر، كما يتضح من الشجرة في Silent Friend، والغابة في On Body and Soul، حيث تبدأ أفلامها غالباً بمشاهد طبيعية. وتُرجع إنيدي هذا الإدراك إلى تجربتها في السبعينيات، فترة الموجة الأولى من التجارب النباتية، التي ألهمتها رغم بساطتها. وهي ترى أن إدراكنا الإنساني، المتأثر بحواسنا الناقصة، هو أمر عشوائي ولا يمثل شيئًا افتراضياً.

وعلى الجانب العملي، كان إخراج الغزالين في On Body and Soul يمثل تحديًا، حيث تم اختيارهما بدقة لتمثيل البطلين البشريين، وعوملا كـ “كائنات معقدة للغاية”. وبما أن الغزلان لا تُدرّب وتفعل ما يحلو لها، استغرقت العملية أكثر من نصف عام لتهيئة بيئة تسمح بالحركة الطبيعية. وتم استخدام تقنيات إخراجية متقدمة، مثل استخدام كاميرتين متجاورتين لإحداث انتقال سلس، ما يمنح المشاهد شعورًا بأنهم يرون حواراً بين أشخاص ذوي شخصيات كاملة.

التعامل مع الممثلين وعملية الكتابة

تكتب إنيدي سيناريوهاتها بمفردها، معترفة بأنها عملية صعبة وأن القصة غالباً ما تأتي متأخرة بعد أن تتكون لديها أفكار تشعر بالحماس لمشاركتها. أما في عملية توجيه الممثلين، سواء كانوا محترفين أو هواة، فالتواصل وخلق الأمان هو الأساس. ومع الممثلين الهواة، يجب أولاً “معرفة حدودهم الطبيعية” ووضع الإطار المناسب لهم، حيث يفتقرون إلى موارد الممثل المحترف.

أما مع المحترفين، فتسعى إنيدي لاكتشاف “موارد سرية” لديهم، مقدمة شيئًا لم يكتشفوه بعد. ويصبح الجمع بين الهواة والمحترفين تحديًا، إذ يجب دعم الممثل المحترف بشكل مختلف تمامًا، لأنه يكون وحيدًا ولا يتلقى الطاقة التفاعلية المعتادة من شريكه الهاوي.

مشاركة: